كعادته يتحدث الرئيس مسعود بارزاني، زعيم الحزب الديمقراطي الكوردستاني، عن موضوع رئاسة جمهورية العراق بمبدئية لا تنقصها الصراحة والوضوح، وهذا ما عُرف عنه دائماً، قائلاً إن المنصب بات "استحقاقاً عرفياً للكورد"، لما يحمله من رمزية بعد معاناة الإقليم من حملات الأنفال والقصف الكيميائي. موضحاً أن المنصب "رمزي وغير تنفيذي إلى حد كبير"، مشيراً إلى أن "رئيس البرلمان يتمتع بصلاحيات أوسع ضمن النظام السياسي القائم".
وأوضح أن "هناك شخصاً سُنياً يطمع بمنصب رئاسة الجمهورية، كأنه لا يدرك أن رئاسة البرلمان أكثر تأثيراً وصلاحيات، أما رئاسة الجمهورية فهي ليست طموحاً شخصياً لأحد، بل استحقاق وعرف راسخ للكورد".
بالنسبة لي كمواطن عراقي، عانيت من مصائب الحروب والانقلابات والصراعات السياسية ما قبل وما بعد 2003، أعتبر أن أهم ما تم إنجازه في التاريخ السياسي العراقي هو أن يكون رئيس جمهورية العراق كوردياً، فالمنصب يحمل رمزية وطنية عالية تؤكد على أن الكورد جزء مهم من الشعب العراقي، وتبرهن انتماءهم لهذا الوطن، وأنهم شركاء في ضرائه وسرائه، وهذا ما برهنوه بالفعل منذ أن قبلوا وبمحض إرادتهم أن يكونوا ضمن عراق اتحادي ديمقراطي وفق الدستور.
كنا وما زلنا نفخر بأن العراق المتعدد الأعراق والأديان لا يميز بين عربي وكوردي، وبين مسلم وغير مسلم، وأن هذا البلد ذا الغالبية العربية والعضو في جامعة الدول العربية رئيسه كوردياً، بغض النظر عن اسم وشخصية الرئيس. وأن قوة العراق ليست بكونه عربياً وعضواً في جامعة الدول العربية التي تكاد أن تكون مشلولة، ولا لكونه بلداً إسلامياً شيعياً أو سنياً، بل قوته العظمى في تعدد قومياته وأديانه ومذاهبه وأطيافه.
حديث الرئيس مسعود بارزاني أعادني إلى حواراتي مع مام جلال، الذي سجله التاريخ باعتباره أول رئيس لجمهورية العراق على الإطلاق، ولي أن أنقل ما دار بيننا من حديث حول رئاسته للجمهورية، والذي نشر في كتابي عن مام جلال سنوات النار والثلج. سألته: كيف وجد طالباني الطريق إلى الرئاسة؟ من رشحه لهذا المنصب الذي لم يفكر فيه على الإطلاق؟
يقول الرئيس طالباني: "اقترحت القيادة الكوردية أن يرشح الأخ مسعود بارزاني لرئاسة الإقليم وأن أرشح أنا لرئاسة جمهورية العراق، وكان هناك رأيان داخل المكتب السياسي للاتحاد الوطني الكوردستاني، الأول يرى أهمية بقائي في السليمانية وقيادة الحزب والإشراف على الأوضاع والحكومة المحلية أفضل من الذهاب إلى بغداد، والرأي الثاني كان يعتقد أن وجودي ببغداد كرئيس للجمهورية أفضل للعراق ولنا. أنا شخصياً كنت مع الرأي الأول وما كنت أريد الذهاب إلى بغداد، وبعد نقاشات طويلة أخذنا برأي الأكثرية التي كانت مع ذهابي إلى بغداد والترشح لرئاسة الجمهورية".
لكن "مام جلال" لم يخضع لرأي الأكثرية في حزبه دون شروط، يقول: "وضعت شرطين، الأول قلت أنا إذا ذهبت إلى بغداد سوف أنزع الملابس الكوردية وأضع العباءة العراقية لأنني سأجسد الشخصية العراقية وسأكون رئيساً للعراق وليس للكورد، والشرط الثاني كان أن يحظى ترشيحي بقبول القوى السياسية الأساسية في العراق، وقد حظينا بهذا القبول والتأييد، حيث كان الائتلاف العراقي (الشيعي) موافقاً، وكذلك القائمة العراقية برئاسة إياد علاوي، وقسم كبير من جبهة التوافق (سنية) كانوا مؤيدين لرئاستي، فضلاً عن التحالف الكوردستاني، ثم صارت هذه التركيبة لمجلس رئاسة الجمهورية التي تتكون من الرئيس، أنا، ونائبي الرئيس، ونلنا أكثر من ثلثي الأصوات في البرلمان، وأقسمنا على القرآن الكريم على صيانة الدستور ووحدة واستقرار العراق".
لقد برهن مام جلال بأنه أفضل رئيس جمهورية في تاريخ العراق، وجسد بالفعل مهمة حامي الدستور، واعتُبر الخيمة التي جمعت كل العراقيين دون أن يميز بين العربي والكوردي أو التركماني والمسلم والمسيحي والصابئي والإيزدي وغيرهم من الأديان.
كان متواضعاً، سياسياً ذكياً ووطنياً، قال: "أنا لم أشعر بأي اختلاف عندما صرت رئيساً للجمهورية، ولماذا هذا الاختلاف؟ الرئاسة مسؤولية ومنصب يمارسه الرئيس، أنا أعتقد أن الإنسان هو من يعطي القيمة للمنصب وليس العكس، فأنا لم أغير سلوكي سواء في الرئاسة أو خارجها كإنسان وكجلال طالباني، فأنا أمارس مسؤولياتي كأمين عام حزب سياسي عراقي كوردي، وكذلك مسؤولياتي كرئيس للعراق، ولا أجد صعوبة في التوفيق بين مسؤولياتي لكونها متقاربة، فهي مسؤوليات وطنية تهم العراق وشعبنا بالدرجة الأولى".
وبالفعل، فإن مام جلال الكوردي هو من أضاف لمنصب رئاسة الجمهورية، ولم يضف المنصب له شيئاً، والأهم من هذا أنه حافظ على "مام جلال" ومنع أن ينال منه المنصب أو يثلم من مبادئه وأفكاره وشخصيته، وفي هذا إنجاز كبير.
اليوم، حيث يطالب البعض بمنصب الرئاسة، ليس لأسباب وطنية، بل لأغراض دعائية ولحمل لقب "رئيس الجمهورية"، فعليهم أن يجروا استفتاءً جماهيرياً لهذا المطلب الذي يهم الشعب العراقي. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، إذا اعتكزوا على الدستور الذي لا ينص على أن يكون رئيس الجمهورية كوردياً، وهذا عرف دستوري مضت عليه العملية السياسية منذ عام 2005 وحتى اليوم، فعليهم أن يزيلوا هذا العرف تماماً، ويطالبوا المكون الشيعي السياسي بالتنازل عن رئاسة مجلس الوزراء أيضاً، وأن لا يقتصر هذا الطلب على الكورد الذين يشكلون القومية الكبرى الثانية في العراق.
وكلنا نعرف أن الكورد ليسوا ضعفاء ولم ولن يكونوا كذلك، ونعرف شجاعتهم وبطولاتهم وإنجازاتهم التي برهنت بأنهم أحد أهم وأقوى الأعمدة التي يقوم عليها العراق.
أختم مقالي بالقول: يكفينا استعراضات لا تقدم بقدر ما تؤخر، فالشعب العراقي اليوم بحاجة إلى إنجازات وطنية كبيرة ومهمة بدلاً من إضاعة هذا الوقت والجهود.



