عندما تتشابك الخيوط، والبوصلة تفقد اتجاهاتها بين دوي الشعارات وقعقعة المصالح، ويضيع فيه صوت الحكمة بين ضجيج المشاحنات.. يطل نيجيرفان بارزاني وبهدوئه المعهود، وكربانٍ يدرك تماماً من اين وإلى أين تمضي العاصفة، ثم يتحدث كصوت لا يُسمع إلا بالوجدان، نعم، لا يعلو صوته لكي يسكت الآخرين، وانما يفعلها حتى يوقظ فيهم ما تبقّى من حكمة. انه بالفعل ذلك الرجل الذي يمشي على حافة التناقضات بطمأنينةٍ، ليس فقط يشبه يقين الماء حين يشق طريقه بين الصخور، بل كالتقيّ النقي الذي يمشي على السراط المستقيم واثقاً من نفسه، انه لا يستعرض ذاته قط، وانما يضع نفسه في خدمة التوازن. حتى اصبح من الصعب ان يرفض له طلب، او يقال له "لا".
من هذا المنطلق دعونا نسرد - غيظاً من فيض - من ردود افعل او مواقف بعضٍ من اشهر قادة العالم تجاهه: وواحدٌ من هؤلاء هو الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. فما شهدناه في الاونة الاخيرة — من المفاوضات حول أزمة المياه، وملف النفط، إلى مسألة الحظر المفروض على مطار السليمانية — يؤكد أن طلب الرئيس نيجيرفان بارزاني غالبًا لا يُرفض.
أما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فقد أبدى تقديرًا واضحًا لنيجيرفان بارزاني، إذ أرسل له رسالة بخط يده يشيد فيها بـ “أهمية التعاون المشترك وتعزيز القيم المشتركة بين الولايات المتحدة وإقليم كردستان”. وفي الجانب الأوروبي، لا يخفي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إعجابه بجهود بارزاني في ترسيخ الاستقرار ومواجهة التحديات السياسية والأمنية المعقدة التي تعصف بالمنطقة.
في المقابل، تنظر طهران إلى نيجيرفان بارزاني باعتباره بوابة لإعادة وصل ما انقطع في علاقتها مع إقليم كردستان، خصوصًا في ظل تنافسها الحاد مع كل من أنقرة وواشنطن. وقد اعتبر بعض المراقبين زيارته إلى طهران عام 2024 نقطة تحولٍ نوعية في مسار العلاقة بين أربيل والجمهورية الإسلامية.
أما بغداد، فهي تتعامل مع نيجيرفان بارزاني كرجل دولة داخل الإطار العراقي، شريكٍ موثوقٍ وإن كان ضمن حدودٍ مضبوطة. تراهن عليه كصوتٍ متزنٍ قادرٍ على تحقيق التوازن بين حقوق الإقليم وواجباته تجاه الدولة الاتحادية.
بهذه الصورة، تتقاطع مواقف العواصم الكبرى من نيجيرفان بارزاني عند نقطةٍ واحدة: أنه رجل لا تُقاس أدواره بحجم منصبه، بل بثقل حضوره وحنكته في هندسة التوازنات داخل رقعةٍ شرق أوسطيةٍ مزدحمةٍ بالتناقضات.
اذن، هو كالجسرٌ الذي يتوسط بين ضفتين لا تلتقيان، انه يتقدّم بخطواتٍ محسوبة، كما لو كان يسمع نبض الأرض قبل أن يخطو عليها. لا يرفع راية الانتصار، لأن انتصاره الحقيقي هو ألا يسقط أحد.



