حين نعود إلى اللحظة التي انهارت فيها الإمبراطورية العثمانية، نجد أن المشهد كان أقرب إلى مسرح فوضوي تُسحب فيه الستائر بسرعة ليُعاد رسم حدود العالم. في تلك اللحظة، بدا أن الكورد يقفون على بعد خطوة من حلمهم، فمعاهدة سيفر 1920 وضعت للمرة الأولى خرائط لدولة كوردية مستقلة، مساحات ملونة على الورق، وجغرافية مرسومة بالحبر على الطاولات الأوروبية.
لكن الحبر لم يجف بعد حتى تغير كل شيء، حيث جاءت لوزان 1923، فأُسقط الوعد من السماء كما يُسقط حجر في بئر مظلم. لم يكن الأمر مصادفة، بل نتيجة لتوازنات أكبر؛ بريطانيا أرادت السيطرة على نفط الموصل، وفرنسا تركز على سوريا ولبنان، وتركيا الكمالية تصرخ بأنها لن تقبل بتقطيع جسدها الجديد. بين هذا الصخب، تُرك الكورد موزعين بين أربع دول، أشبه بقطع زجاج متناثرة لا يمكن جمعها بسهولة.
منذ تلك اللحظة، تكررت المأساة في دورات متتالية، كل عقد يحمل معه انتفاضة جديدة، وثورة تُوأد، وحلم يشتعل ثم ينطفئ. في إيران، وُلدت جمهورية مهاباد عام 1946 بدعم سوفييتي، لكنها لم تعش سوى أحد عشر شهراً قبل أن تنهار كطفل خُطف من حضن أمه. في العراق، شهدت جبال كوردستان حركات تمرد لا تنتهي، من ملا مصطفى بارزاني إلى الانتفاضات الحديثة، وكلها تدور بين لحظات انتصار مؤقت ومجازر موجعة مثل الأنفال وحلبجة. في تركيا، أصبح حزب العمال الكوردستاني رمزاً لمقاومة مسلحة عمرها عقود، بين الجبال والحدود، حرب استنزفت الأرواح والموارد. وفي سوريا، حيث اعتُبر الكورد غرباء على أرضهم، جُرد الكثيرون من الجنسية لعقود، إلى أن انفجرت الحرب الأهلية ومنحتهم نافذة على الحكم الذاتي المؤقت.
المفارقة أن كل دولة من الدول الأربع تعاملت مع الكورد بنفس المعادلة: قبول بوجودهم الثقافي في الحدود الدنيا، وقمع لأي تعبير سياسي عن استقلالهم. في كل مرة كانوا يتقدمون خطوة، يُسحب البساط من تحتهم. القوى الدولية لعبت دوراً مزدوجاً: حين تحتاج إلى ورقة ضغط على أنقرة أو بغداد أو طهران، تستدعي الورقة الكوردية، تمنحها زخماً إعلامياً وسلاحاً أحياناً، لكنها لا تذهب أبداً إلى نهاية الطريق. فالمجتمع الدولي يعرف أن قيام دولة كوردية لن يكون مجرد إضافة علم جديد على خرائط الأمم المتحدة، بل زلزال يعيد رسم حدود الشرق الأوسط برمته، وربما يشعل سلسلة انفصالات تمتد من الأناضول إلى الخليج.
الأسباب عميقة كجذور شجرة قديمة؛ منها الجغرافية التي جعلت كوردستان مفترق طرق بين إمبراطوريات متعاقبة، ومنها الثروات الهائلة من النفط والغاز والمياه التي جعلت المنطقة مطمعاً لا يمكن التنازل عنه، ومنها الانقسامات الداخلية التي حالت دون وحدة القرار الكوردي نفسه، بين أحزاب متنافسة وزعامات عشائرية لا تلتقي على هدف واحد. في كل مرة تتوفر فرصة، يظهر تناقض داخلي يُفشلها، وكأن التاريخ يضيف لمسته الساخرة على مسرح الصراع.
لكن السؤال الذي يطل دائماً من بين الضباب: هل يمكن أن تقوم الدولة الكوردية؟ منطق السياسة يقول إن الدول الأربع لن تسمح بذلك بسهولة، لأنها ترى في الأمر تهديداً وجودياً؛ تركيا تخشى أن تفقد جنوبها الشرقي، إيران تخشى أن تنفتح ثغرة في جدارها الغربي، العراق يخشى أن يخسر قلب ثروته النفطية، وسوريا تخشى أن ينفلت منها شمالها الشرقي. أما القوى الكبرى، فهي تفضّل استمرار الوضع الراهن، لأن الكورد ورقة رابحة طالما ظلوا بلا دولة، أقوياء بما يكفي لإرباك جيرانهم، وضعفاء بما يكفي لعدم تهديد الخريطة الدولية.
ومع ذلك، يظل الاحتمال قائماً، كجمرٍ تحت الرماد. إذا انهارت إحدى هذه الدول بفعل حرب أو ثورة أو تدخل خارجي، فقد يجد الكورد نافذتهم. إذا تغيّرت الموازين الدولية فجأة، كما حدث في جنوب السودان أو كوسوفو، قد يأتي اليوم الذي يُرفع فيه علم كوردي على مبنى في الأمم المتحدة. لكن حتى ذلك اليوم، سيبقى الكورد عالقين في التناقض ذاته: أمة قوية بهويتها، مشتتة بخرائطها، قريبة من الحلم حدّ اللمس، وبعيدة عنه كأنها تراه في مرآة مكسورة.
وهنا تكمن الدراما الكبرى، أن تكون موجوداً بقوة في التاريخ والثقافة والجغرافية، لكن غائباً عن السياسة الدولية. أن تكون كالصوت الذي يتردد في الوادي، يسمعه الجميع، لكن لا أحد يعرف من أين جاء ولا إلى أين سيذهب. الكورد يعيشون هذا المصير، كأنهم فريق كرة عظيم يملك المهارة والجماهير والحلم، لكن الملعب مقفل دائماً أمامهم، والصفارة في يد آخرين يقررون متى تبدأ المباراة ومتى تنتهي.



