عملية تعريب الشعوب والقوميات وأوطان الأمم المحيطة بشبه الجزيرة العربية جرت على مراحل متنوعة. كانت لكل مرحلة خصائص مختلفة. خصائص دينية وإدارية ولغوية وموجات هجرة وعمليات عسكرية وإلخ... لكن منذ البداية، ومن أول خطوة تعريب، تحت مسمى الفتوحات الإسلامية وحتى اليوم، كانت النقطة المشتركة والخاصية المشتركة لجميع مراحل التعريب، هي الاحتلال والاستيلاء على دور وأراضي ومزارع تلك الشعوب والقوميات التي طالتها حملة التعريب.
ومن بداية التعريب تلك إلى اليوم، الجغرافيا الواسعة الممتدة من كوخلان في بينجوين إلى موريتانيا والتي أطلق عليها قسراً اسم (الوطن العربي)، لم يقم أي خليفة أو وال أو حاكم عربي، في جميع تلك الأراضي والبلدان التي احتلها العرب، بعملية استيلاء ممنهجة على الأراضي الزراعية بقدر ما فعله حزب البعث وصدام في العراق. الحاكم الوحيد الذي خصص عشرات ومئات البنود والمواد القانونية والدستورية لاحتلال أراضي الشعوب والقوميات غير العربية ومنحها للعرب في إطار قوانين صيغت لهذا الغرض.
مئات قطع الأراضي السكنية ودور المسيحيين من البصرة إلى نينوى، وآلاف البيوت والمنازل والمحلات والأسواق والممتلكات التجارية الكبيرة للكورد الفيليين في بغداد، وملايين الدونمات من أراضي الفلاحين الكورد والتركمان الزراعية من مندلي إلى خورماتو وكركوك وإلى مخمور، انتزعت كجزء من ستراتيجية التعريب من أصحابها الأصليين ومنحت للعرب الذين استخدموا كأداة للاحتلال. هذا الاحتلال أدرج في إطار قرارات وقوانين خاصة، بقيت حتى بعد سقوط البعث وصدام تشكل عقدة لم يمكن حلها وبالتالي لم يمكن وضع نهاية لذلك الاحتلال.
جميع المثقفين والأكاديميين ونخب القوى والأطراف السياسية العربية في العراق، سنة وشيعة، مطلعون مثلنا نحن الكورد على مراحل عملية التعريب. يعرفون الحقائق التي تؤكد أن جميع العرب الذين يعيشون في جغرافيا جنوب كوردستان، من مندلي إلى سنجار، جيء بهم إلى هذه المناطق في أي مرحلة وعهد، وأُسكنوا على أراضي الكورد، لكن لا أحد منهم يمتلك ضميراً حياً بما يكفي ليعترف بتلك الحقائق ويوافق على إعادة الحقوق لأصحابها.
ما جرى لحين إصدار قانون يلغي قرارات مجلس قيادة الثورة البعثي ويعيد دور وممتلكات الكورد والتركمان المنتزعة لأصحابها، والجدل بين الكورد وبغداد منذ 2003 لإيجاد حل دستوري وقانوني لمشكلة أراضي الفلاحين الكورد، شاهد على حقيقة أن البعث وصدام أخذوا بعين الاعتبار أن سلطتهم ستزول ونظامهم سينتهي يوماً ما ولن يتمكنوا من حماية عملية الاحتلال تلك إلى الأبد، فعملوا على أن تبقى القوانين الخاصة بالتعريب كجيش دائم يحمي العرب الذين اتخذوا أدوات للاحتلال، هذا من جهة. من جهة أخرى، تكشف حقيقة مرة، وهي أن فكر البعث وصدام لم ينته بسقوط النظام وإعدام صدام. بل سيستمر حياً في فكر ومعتقد وسلوك الحكام العرب في بغداد، الآن وفي المستقبل البعيد أيضاً.
في ألمانيا بعد هتلر، ولأن المجتمع والنظام والسلطة قرروا التخلص من إرث هتلر، ليس فقط التصرف مثل النازيين، فگ حتى تقليد التحية بطريقة هتلر والنازيين محرمة إلى اليوم، وأي شخص يحيي بتلك الطريقة يعاقب بالسجن، لكن ما يستحق الوقوف عليه هنا هو عراق بعد صدام الذي لا تزال القرارات والقوانين التي أصدرت لاحتلال ممتلكات ودور الكورد والتركمان والمسيحيين، سارية ونافذة عند الصداميين الجدد في بغداد.
فرغم أنه بعد جدل وصراع طويل دام عشرين عاماً، صدر في البرلمان العراقي قانون يلغي قرارات (مجلس قيادة الثورة) البعثي الخاصة باحتلال أراضي الفلاحين الكورد والتركمان وإعادة الحقوق لأصحابها، نجد يومياً القنوات التلفزيونية تبث تلك أخبار استيلاء العرب المستوطنين بدعم من الجيش والمليشيات المسلحة على أراضي الكورد والتركمان. نسمع صرخات واستغاثات الفلاحين الكورد والتركمان الذين يشكون من أن قضاة محاكم المدينة الفلانية والوزير الفلاني والضابط وقائد الفوج واللواء والفرقة العسكرية الفلانية يدعمون ويسندون العرب المستوطنين ويديمون ظلم وقهر عهد البعث، بخلاف ما ينص عليه القانون. المثال الأكثر وضوحاً وقرباً هو مشكلة فلاحي بلكانة وقرى سركران وفي العمق هناك أطراف داقوق ودوز خورماتو الذين يعانون على يد العرب المستوطنين والجيش ومؤسسات الدولة.
ما يثير التساؤل هنا، خاصة عند الكورد، هو أن عدداً من المناصب المهمة والمواقع السلطوية في بغداد بيد الكورد. رئاسة الجمهورية ونائب رئيس الوزراء ووزير العدل من حصة الكورد، بينما نجد بعضاً من الوزراء والقضاة وقادة الجيش ينحازون ظلماً لدعم العرب المستوطنين. لماذا لا ينحاز هؤلاء للحق ولا يدافعون عن الفلاحين الكورد والتركمان؟ في حين أن دستور العراق والقوانين السارية الآن توجب وضع نهاية للتعريب وإعادة الحقوق لأصحابها.
رغم أنني لست مع فكرة أن يسلك الكورد طرقاً خاطئة لتحقيق أهدافهم واستعادة حقوقهم العادلة والمشروعة، لكن عندما تجد الحكام الحاليين يتفقون مع عهد البعث بخصوص مسألة التعريب والمظالم التي ارتكبت بحق الكورد والمكونات الأخرى، تستهجن موقف المسؤولين والحكام الكورد في إقليم كوردستان وممثلي الكورد في بغداد، لأنهم إما أنهم لا يرون في أي مسألة قومية ووطنية هدفاً لهم، أو أن هناك سراً خفياً لا نعلمه يبرر صمتهم المطبق تجاه هذه المسائل الستراتيجية التي ترتبط ببقاء واستمرار الكورد على هذه الجغرافيا. الآن، يركز حكام بغداد الذين لا يزالون يسيرون على نهج صدام، تركيزاً كبيراً على دوز خورماتو وقد خلقوا مشاكل كثيرة للفلاحين الكورد في عدة قرى في تلك المنطقة واستولوا بالقوة والجيش على أراضي الكورد. هنا، جئت بوثيقة من عهد البعث خاصة بأراضي الكورد في خورماتو كمثال يبين كيف أُخرج الفلاحون الكورد من أراضيهم بإشراف صدام حسين نفسه وأُعطيت أراضيهم للعرب الذين جلبوا للتعريب.
الوثيقة هي كتاب وجهه نائب رئيس (مجلس قيادة الثورة) عزت الدوري، إلى طه ياسين رمضان وعدد من المسؤولين الآخرين وجميعهم مرتبطون مباشرة بعملية التعريب. عزت الدوري أرفق بكتابه تقريراً لطه ياسين رمضان وطلب تنفيذ التعديلات التي كتبها صدام حسين على المذكرة. أي: التقرير كتبه في الأساس طه ياسين رمضان ورفعه إلى صدام. عزت الدوري أعاد التقرير مع ملاحظات صدام وطلب اتباعها. اللافت في هذه الوثيقة، هو أنهم بالإضافة إلى الظلم والقهر الذي اقترفوه، واحتلالهم أراضي الكورد، هناك شروط ونقاط محددة في هذا التقرير يجب توفرها في العشائر والعائلات العربية المستعدة للمجيء إلى مجمعات التعريب والاستقرار فيها، وبقرار من صدام منح كل واحد من 50 دونم أرض مروية، 120 دونم أرض ديمية، 150 دونم أرض في الأماكن التي هي خارج سيطرة الجيش، أي لكل واحد منهم 320 دونم أرض. الملاحظات التي كتبها صدام حسين مثيرة للذعر وتبين إلى أي مدى وبأي دقة عملوا على عملية التعريب. يطلب منهم صدام منع العشائر العربية التي تجلب إلى مناطق دوز خورماتو، وتمنح لهم أرض، تشغيل الفلاحين الكورد كعمال، أي لا يسمح للكوردي الذي انتزعت منه أرضه وأُعطيت للعرب، بالعمل حتى كأجير في تلك الأراضي التي منحت لعشائر التعريب العربية.
الأدهى من ذلك، أن بعض الكورد سواء كانوا قرية، أو عشيرة وعائلة أو أسرة غيروا قوميتهم تحت الضغط إلى عرب، لكن صدام حسين نفسه طلب عدم السماح للكورد الذين باتوا عرباً بالبقاء معاً، وفرض تفريقهم على مجمعات التعريب العربية ليذوبوا فيها.
عشرات البنود والفقرات الأخرى في ذلك التقرير تدعونا للوقوف عليها. لذلك لن أقول المزيد عن محتوى التقرير ليقرأه القارئ بنفسه ويعرف منه كم كانت عملية التعريب هدفاً ستراتيجياً للبعث وصدام، وما زلنا إلى الآن نرى في مراكز السلطة العراقية، في الحكومة وفي مؤسسة الجيش وجهاز القضاء، أشخاصاً لا زالوا يدافعون عن استمرار العمل بقرارات وقوانين صدام. هذا يولّد الاعتقاد بأن العقلية الاحتلالية لم تنته بسقوط صدام، والهم الكبير هو أن الكورد مشاركون في مركز السلطة في بغداد وهناك عدد من المناصب والمواقع بيد الكورد وبطريقة من الطرق ويمدون بصمتهم على تلك المظالم، طاحونة استمرار قرارات وقوانين صدام بالماء اللازم لدورانها.
اقرأ نص التقرير بالعربية في أدناه:



