بين أروقة السياسة وصالات الإعلام، تقف القمة العربية المرتقبة في بغداد على مفترق طرق حساس. فبينما تسعى القيادة العراقية إلى إنجاح القمة وإعادة تأكيد دور بغداد المحوري في الساحة العربية، يلعب الإعلام دوره التقليدي، بل والمتجدد، في صناعة الصورة، سلباً أو إيجاباً، لهذه التظاهرة السياسية الكبرى.
منذ الإعلان عن استضافة بغداد للقمة، تنافست وسائل الإعلام المحلية والإقليمية والدولية في تغطية الحدث، حيث ظهرت التباينات بوضوح في كيفية تناول القمة ورمزية انعقادها في العراق. بعض الصحف والفضائيات قدمتها كخطوة مهمة نحو استعادة العراق لمكانته الطبيعية داخل الإطار العربي، بعد عقود من العزلة التي فرضتها الحروب والصراعات الداخلية. بالمقابل، تناولتها جهات إعلامية أخرى بتحفظ، مشيرة إلى التحديات السياسية والأمنية التي ما زالت تعصف بالبلاد، والتي قد تعرقل مساعي بغداد في استضافة حدث بهذا الحجم.
الإعلام، في مثل هذه المحطات السياسية الكبرى، لا يكتفي بدور الناقل للأخبار فقط، بل يتحول إلى لاعب رئيس في تشكيل الرأي العام، وإعادة إنتاج السرديات السياسية المرتبطة بالحدث. فاختيار العناوين، وتحليل التصريحات، والتركيز على قضايا بعينها دون غيرها، كلها أدوات تسهم في رسم الصورة الذهنية لدى المتلقي، سواء كان جمهوراً عربياً أم عالمياً. وهنا تبرز أهمية المهنية الإعلامية، لأن طريقة تقديم المعلومات لا تقل أهمية عن مضمونها.
تاريخياً، شهدت بغداد قمماً عربية سابقة لعبت أدواراً مفصلية، لعل أبرزها قمة عام 1978 التي تزامنت مع توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، وقمة 1990 قبل اندلاع حرب الخليج الثانية. وفي كلتا المناسبتين، لعب الإعلام دوراً حاسماً في توجيه الرأي العام العربي تجاه مخرجات القمم، سواء بدعم قراراتها أو بانتقادها.
سياسياً، تعكس القمة المرتقبة اليوم رغبة عربية مشتركة - وإن كانت بدرجات متفاوتة - في إيجاد مساحة للحوار وسط صراع الأجندات الإقليمية والدولية، لاسيما مع تصاعد التوترات في المنطقة، سواء ما يتعلق بالأزمات المستمرة في فلسطين، أو التنافسات الإقليمية الحادة. ومع ذلك، فإن نجاح أي قمة لا يعتمد فقط على مخرجاتها الرسمية المعلنة، بل أيضاً على الكيفية التي يتم بها تسويق هذه المخرجات إعلاميًا، وكيفية إدارتها في الفضاء العام.
تصريحات الزعماء، وصور الاجتماعات الثنائية، والبيانات الختامية، جميعها تخضع لقراءة إعلامية دقيقة قد تزيد من حجم الإنجاز أو تقلل منه. فالاهتمام الإعلامي بتفاصيل معينة وإغفال أخرى، قد يؤدي إلى تضخيم الخلافات أو تعظيم فرص التوافق، بحسب توجهات الوسيلة الإعلامية ورؤيتها التحريرية.
وفي هذا السياق، تتحمل وسائل الإعلام مسؤولية مزدوجة: أن تواكب الحدث بموضوعية ومهنية عالية، وأن تحرص في الوقت نفسه على عدم السقوط في فخ الإثارة الفارغة أو التوظيف السياسي الضيق. ومع صعود الإعلام الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي، باتت الروايات البديلة تنتشر بسرعة مذهلة، وقد تسبق أحياناً الرواية الرسمية للأحداث، مما يضع تحدياً إضافياً أمام الإعلام التقليدي للحفاظ على مصداقيته وتأثيره.
لذلك، فإن القمة العربية في بغداد ليست اختباراً سياسياً وحسب، بل اختباراً لمهنية الإعلام العربي والدولي. فبينما يسعى القادة إلى بناء توافقات صعبة داخل قاعات الاجتماعات، يخوض الإعلام معركته الخاصة في بناء صورة متماسكة أو متصدعة عن هذا الحدث العربي البارز.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة البسيطة قائمة: السياسة تصنع الأحداث، لكن الإعلام هو من يصنع ذاكرتنا الجماعية عنها. وإذا كانت القمم تُقاس غالباً بمخرجاتها الرسمية، فإن التاريخ يُدوَّن عبر الطريقة التي قدمها بها الإعلام للناس، بكل ما تحمله من رمزية، وتأويلات، وأحياناً من تحريف أو تضخيم.



