عقلية المنظومة الحاكمة بعد تغيير النظام العراقي كانت سبباً في فقدان الثقة البينية بين مكونات الشعب على المستوى الديني والقومي والمذهبي، والاستقطاب العكسي بين فواعل سياسية تنادي بحكم الاغلبية معززة قوتها بالمرجعية فضلاً عن مظلومية النظام السابق لها، وتمسكها بأستار النظام الديمقراطي الجديد وبين فواعل سياسية ترى وجودها لمجرد المشاركة وليس الشراكة الحقيقية، والبعض منها كالمتشبث بأطلال النظام المطاح به.
وهنا يبرز الخلاف بين المنتظم السياسي الممثل لهذا المكون وذاك ليس على كيفية تقديم الخدمات، أو حماية حدود البلد، أو استغلال ثورات البلد لصالح الشعب، أو ترصين السيادة، ومحاربة الفساد، لا وإنما الخلاف على كيفية ترصين الطائفية والقومية، والفئوية والحزبية، لان الحديث الطائفي عبر المؤتمرات ومواقع التواصل والخطابات فضلاً عن البرنامج الحوارية السياسية عبر الفضائيات اصبح جزءاً من بُنية الطبقة السياسية لاغراض انتخابية فقط، وبيئة مناسبة لاستمرارهم اكثر في السلطة.
بعد تغيير النظام العراقي جاءت الطبقة السياسية بمعادلة "اغلبية + مرجعية + مظلومية"، ولو ان الفواعل السياسية استطاعت تطبيق هذه المعادلة على ارض الواقع وليست شعارات لتغيرت كثير من المفاهيم الخاطئة، ولكن رفعوا شعار الاغلبية فكانت النتيجة مقاطعة الاغلبية للانتخابات وخرجوا بتظاهرات ولم يبقَ لدى الاحزاب التي ترفع الاغلبية الحاكمة رصيد فقط الجمهور "الزبائني، والمؤدلج، والعقائدي"، بينما من يتحجج بالمرجعية بكل خطاب إعلامي كانت النتيجة هي غلق الفاعل الاجتماعي الديني "الشيعي" الباب بوجه الفواعل السياسية دون استثناء بسبب السياسة والنهج الخاطئ من قبل هذه الفواعل.
أما المظلومية التي كانت ترفع في كل مؤتمر قبل تغيير النظام سرعان ما اختفت بعد التغيير، وتحولت من مظلومة إلى ظالمة، وكان بالامكان افضل مما كان، لان التجارب اثبتت من غير الممكن ان تحكم بعقلية تعزز من الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية وهوية الدولة الجامعة الشاملة، ومن دون ذلك ستبقى الدولة فقط مسمى ولا تنجح في بناء مؤسسات رصينة تحافظ على كيان الدولة.
عقلية الفواعل السياسية الحاكمة تتطلب ثورة فكرية وازاحة جيلية تخلصها من مخاوف الماضي والمتمثلة في امكانية عودة فلول النظام السابق وفوبيا البعث، فضلاً عن هواجس المستقبل والتي تتمثل بفقدان الحكم وتغيير النظام السياسي، ويتجلى هذا الشيء عن طريق السلوك والنهج الذي يسلكه قادة الاحزاب التي تمتلك الوزن الصوتي والسياسي المؤثر، فضلاً عن الجناح المسلح، اي ان اكون دولة وابسط نفوذي المذهبي على مؤسساتها، واكون اللادولة بنفس الوقت من اجل ترهيب وتهديد كل من يحاول المساس بهذه المكتسبات، وعليها ان تعرف في ظل هذه المعطيات لا يمكنها الحفاظ على مكتسباتها مالم يتحقق الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي عن طريق بناء دولة قوية بمعنى دولة المؤسسات التي تستند على الدستور والقانون، وليس دولة القهر والهيمنة والاستبداد، لان الدولة الوطنية اقوى من الدولة النووية، والدولة القوية تتمثل في فعالية مؤسساتها التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، والمؤسسة العسكرية، فضلاً عن النظم الانتخابية، وبنية النظم الحزبية، ومنظمات المجتمع المدني.
الطبقة السياسية الحاكمة مطالبة باعادة ثقة المواطن بالنظام السياسي والانتخابي، لان من غير المنطقي نتحدث عن الشرعية في ظل غياب المشروعية التي لم تنصهر بعد في بوتقة النظام والمنظومة بسبب انحراف المسار الديموقراطي، وعلى ما يبدو ان الطبقة السياسية الحاكمة تريد الديمقراطية في بعض المجالات السياسية ولكن لا تريدها في الانتخابات، وهذا يتجلى عن طريق التشكيك والتخوين والاتهام بعد انتهاء عملية العد والفرز واعلان النتائج النهائية، لان الفواعل السياسية لديها قدرة عالية على اختزال خطوات الديمقراطية بما يخدم مصالحها، ولكن ومن الاختزال ما قتل.
العمل السياسي بالعراق مثقل بتراث جامد ومنهمك بالاجابة على الاسئلة القديمة لذلك يفكر بقسوة عندما يتحدث عن موروث الماضي، والمقارنة بين هذا النظام وذاك النظام، وهذا النهج ينعكس في سلوكه عندما يتعامل مع باقي المكونات، الامر الذي يجعل الباحثين والمراقبين للشأن السياسي ينظرون لوزارات الدولة ودوائرها على انها كيانات تابعة لهذا المكون وليس للدولة من ناحية التعامل بسبب العرف السياسي الذي يقسمها على اساس مكوناتي محاصصاتي، ونجد البعض ينتقدها لانها تابعة لهذا المكون، واخر يدعمها لانها لهذا المكون، في حين هي كلها مؤسسات دستورية تابعة للدولة بغض النظر من يدير، ولابد من القول إذا ما ارادت المنظومة السياسية اعادة ثقة الشعب بالعملية السياسة عليها ترك الماضي والعمل بالحاضر والتخطيط الستراتيجي للمستقبل بعيداً عن الانتقائية والانتقامية والفئوية الضيقة والتعصب الديني.



