عاصفة قوية تخيم على القرار السياسي العراقي اسمها خروج القوات الاميركية، بمبررات الحرب على غزة وامتداداتها، حتى يخيل للمتابع الغاء اتفاقية الاطار الستراتيجي أبا عن جد، بينما الصحيح غير ذلك، حيث لم تعلن بغداد ولا واشنطن قرارا صريحا بهذا الخصوص، فهل الخلل في التواجد العسكري الأميركي أم في تداخل الرؤى السياسية خارج مصلحة الدولة العراقية.
لا تتطلب الاجابة على هذا التساؤل ضرب تخت رمل في النوايا، لأن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني اعلن صراحة رفض مصادرة قرار الدولة العراقية من أي جهة، وكذا الحال مع قيادات سياسية تٌظهر في السر غير القول في العلن، وكأن القضية بسطية تجارية لا مستقبل بلد وأمة.
ومثلما تم التصويت على الدستور ينبغي العودة الى الشعب في هذا القرار المصيري، بحكم تشابك علاقات العراق مع أميركا دون معرفة جيل المتحمسين للتصعيد أساسيات الحرب على العراق قبل عشرين عاما، فلم تتحرك جيوش أميركا لسواد عيون سنية أو شيعية أو كوردية بل لمصالح عليا أميركية يكون النفط الى جانب موقع العراق الستراتيجي عنوانا رئيسيا فيها.
ان المراهنين على تجربة أفغانستان يخطئون في التفسير الجيوسياسي الأميركي في المنطقة بثلاثية أجنحة تمتد من اسرائيل الى الخليج العربي وباب المندب ولا تنتهي بحدود العراق الشرقية والغربية والشمالية، أنها معادلة التوازن الدولي في العراق، والذي يحتاج الى قراءات صحيحة لا ردود أفعال للكسب السياسي المريح.
الحديث عن السيادة تحكمه أيضا التزامات ومواقف ومصالح عليا، لم يكن الكثير من ساسة اليوم يعرفون أبعادها لأنهم ولدوا بعد مؤتمر لندن الشهير أو في بداية الحرب على العراق، مثلما لم يتذوقوا مرارة الشعارات القومجية التي أغرقت العراق مبكرا بحروب من اليأس والعدوانية التي لا تٌمثل حقيقة المزاج العراقي.
أخطر أنواع التحديات غياب الرؤية الصحيحة للمصالح الدولية، فلا توجد دولة في العالم موزعة القرار الرسمي مثلما يحصل في العراق، تصريحات من مختلف المسارات، تعقبها لقاءات مع مسؤولين أميركيين، ما يضع غشاوة من الشك على عيون العراقي والمتابع للمشهد الدراماتيكي في العراق.
حكومة السوداني هي أول اختبار حقيقي للمواطنة، وهي مؤهلة لادارة شؤون البلاد بلا عصبيات أو مزاجيات متقاتلة مع بعضها في المكون الواحد، ما يستوجب على عقلاء القوم عدم نسيان الفضل بينهم وبين أميركا، التي لم يتغير نهجها خلال العشرين سنة الماضية لأنها لم ترسم أهدافها على رمال متحركة بل عبر شبكة علاقات مصيرية بين جميع قادة الكتل السياسية.
يسمونه الاحتلال أو التحرير أو اغتصاب الارادة العراقية، ويطلق عليه الأميركيون لغة المصالح المتبادلة، التي لم تقد الى مواجهة مباشرة مع ايران ولم تمنع التواصل مع تركيا وكل جيران العراق، انه الفرق بين الأهداف الستراتيجية وردود الأفعال التي لا تغني عن جوع، فأجمل عناوين السيادة هي منح العراقيين حق الحياة الكريمة وفصاحة اللسان السياسي بعيدا عن تحالفات النص ردن على جرف هار!!
