يمضي اليومَ على رحيل الخبير القانوني (طارق حرب) أربعون يوماً، فأحببتُ أن لا تمرّ هذه المناسبةُ مرورَ الكرام دون أن تكون لنا فيها كلمة، واستثمرتُ هذه الفرصة خلال حديثي عن هذه الشخصية الفذّة لأُسلّط الضوء على الجدل الذي كان يدور في أروقة البرلمان في العام المنصرم حول آلية حلّ البرلمان والدور الذي لعبه (طارق حرب) في إذكاء الخلاف بخصوص ذلك، وكاد في نهاية المطاف -بحنكته وقوّة طرحه وأسلوبه الساحر في سرد حُجَجِه - أن يرجّح الكفّةَ لصالح الرأي الذي تبنّاه على الرغم من كونه رأياً مرجوحاً، وكان لنا أيضاً آنذاك رأيٌ وتحليلٌ بخصوص ذلك، سأعرّجُ عليه في نهاية المقال.
كان المرحوم طارق حرب قامة قانونية عالية، وكان يُعنى بصورة كبيرة بتفسير المواد الدستورية والقانونية، وكانت تحليلاتُه وتفسيراتُه لتلكم الموادّ تلقى صدىً واسعاً وتنتشر كانتشار النار في الهشيم نظراً لمكانته العلمية وخبرته القانونية ولأنه كان نشطاً في الإعلام، فالقنوات الفضائية دائماً ما كانت تستضيفه، لذلك كانت تحليلاتُه للمواد القانونية والدستورية تترك تأثيراً كبيراً في الأوساط الأكاديمية والسياسية وتحظى بأهمية كبيرة، وكان رحمه الله بارعاً في اللغة، لذلك فإنه في بعض الأحيان كان يقوم بتفسير النصوص والمواد الدستورية والقانونية بتفسيراتٍ بعيدةٍ عن التفسير المألوف، معتمداً في ذلك على اللغة وعلى المعلومات القانونية الغزيرة التي يمتلكها، وكان يسوق تلك التفسيرات ليدافع عن أفكارٍ وتوجهاتٍ معينةٍ ليس شرطاً بالضرورة أن تكون صحيحةً وصائبةً دائماً، ولكنّه كان يتبنّاها ويدافع عنها دفاعاً مستميتاً، وكانت تفسيراتُه في بعض الأحيان تخلق جدلاً واسعاً وتُربِكُ المشهدَ السياسيَّ ولا سيما إذا كانت تتعلق بأمور مصيرية.
وهنا أودّ أن أشير إلى التفسير الذي تبنّاه بخصوص كيفية حلّ البرلمان التي تناولتْها المادة 64 ، البند أولاً، من الدستور، والتي تنصُّ على الآتي: "يُحَلُّ مجلسُ النواب بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه، بناءً على طلب ثلث أعضائه، أو طلب من رئيس مجلس الوزراء وبموافقة رئيس الجمهورية ..."إلخ ، فالنصّ الدستوريّ قد أوضح بأنّ مجلس النواب يُحلّ بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه بعد أن يُقدَّم إليه طلبُ الحلّ من ثلث أعضاء المجلس أو من رئيس مجلس الوزراء وبموافقة رئيس الجمهورية، ولكنّ المرحوم (طارق حرب) كان يرى بأنّ حلّ المجلس يكون إما بتصويت الأغلبية المطلقة لعدد أعضاء مجلس النواب، أو بطلب من رئيس مجلس الوزراء وبموافقة رئيس الجمهورية. وكان يفكّك هذا النصّ الدستوري ويحلّله لغوياً بحيث يدعم مذهبه ويتوافق مع رأيه. وكان يعلّل توجّهه هذا بأنه يخلق التوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، فكما أنّ مجلس النواب يستطيع أن يسحب الثقة من الحكومة، بالمقابل فإنّ الحكومة بإمكانها أن تقوم بحلّ مجلس النواب. وقد أحدث تفسيرُه هذا ضجةً كبيرةً في الأوساط الإعلامية والسياسية، وخلق انقساماً في الرأي حول كيفية حلّ البرلمان هل يكون ذلك عن طريق مجلس النواب حصراً أم أن السلطة التنفيذية بإمكانها أيضا أن تقوم بحلّ البرلمان، وعلى إثر هذا التفسير حدّد رئيسُ مجلس الوزراء السيد (مصطفى الكاظمي) موعداً للانتخابات المبكرة، وكأنه يمتلك صلاحية حلّ المجلس، وأراد بذلك أن يسحب البساط من تحت أقدام البرلمان ليكون إنجازاً له، الأمر الذي حدا برئيس مجلس النواب السيد (محمد الحلبوسي) أن يطلب من اللجنة القانونية النيابية ليُسعِفوه بتفسيرٍ واضحٍ حول آليّة حلّ المجلس، ليقطعوا الطريق أمام الحكومة ويمنعوها من الإقدام على هذه الخطوة بمفردهم، واللجنة القانونية بدورهم طلبوا مني أن أقوم بتفسير المادة وتحليلها من الناحية اللغوية، فقمتُ بتفسير المادة وبيّنتُ أنّ السبيل الوحيد لحلّ مجلس النواب يكون بالتصويت عليه داخل المجلس بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه، وأوضحتُ بأنّ النص الدستوري لا يحتمل من الناحية اللغوية غير هذا التفسير، وبذلك تمّ قطع الشك باليقين، وبعد أن زوّدتُ اللجنة القانونية بهذا الرأي، اتصل بي رئيسُ مجلس النواب السيد (محمد الحلبوسي) هاتفياً، وناقشنا الموضوع، ثم غرّد الحلبوسي على حسابه في تويتر ليعلن بأنّ المسار الوحيد للانتخابات المبكرة يكون حصراً عن طريق مجلس النواب، وذلك بالتصويت على حلّ المجلس بالأغلبية المطلقة لعدد اعضائه.
وكان تحليلي للمادة الدستورية كالآتي:
"تنصُّ المادة (64) البند (أولاً) على الآتي: يُحلُّ مجلس النواب بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه، بناءً على طلبٍ من ثلث أعضائه، أو طلبٍ من رئيس مجلس الوزراء وبموافقة رئيس الجمهورية ....إلخ. يتضح من النصّ أن مجلس النواب يعدّ الجهة الوحيدة التي يمكنها حلّ البرلمان، أما طلب حلّ البرلمان فقد يكون من قِبل ثلث أعضاء المجلس أو من قِبل رئيس مجلس الوزراء وبموافقة رئيس الجمهورية. وعليه فإنّ رئيس مجلس الوزراء ورئيس الجمهورية ليس بمقدورهما حلّ البرلمان، وإنما تقتصر مهمتهما فقط في طلب الحلّ، والبرلمان هو من يقرّر، الذي يقرأ نصّ المادة بتمعّن يظهر له جليًا هذا الذي ذكرتُه. لأنّ عبارة (أو طلبٍ من رئيس مجلس الوزراء..) معطوفة على جملة (طلبٍ من ثلث أعضائه) هذا أولاً، ثانياً : لا يجوز القول بأنّ الحلّ يكون بطلب، لأنّ الحلّ يكون بقرار، كما في عبارة (بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه) حيث إنّ الباء فيها سببية، فلو قلنا جدلاً بأنّ المجلس يحلّ بطلب رئيس مجلس الوزراء، لَلَزِمَ من ذلك أن يحلّ المجلس أيضاً بطلب ثلث أعضاء المجلس، وذلك غير صحيح، لأنّ الطلب في كلتا الحالتين يرفع الى المجلس ليتمّ التصويت عليه بالموافقة من عدمه، ومن المعلوم أنّ (الطلب) ليس بقرار، الطلب قد يُقبل أو يُردّ، أما القرار فيُنفذّ، لذلك لا يمكن تفسير العبارة بكون المراد بها: يُحلّ المجلس بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه أو بطلب رئيس مجلس الوزراء ... لأنه ليس معطوفاً على (بالأغلبية المطلقة) كما قلنا، بل هي معطوفة على الطلب الآخر، وهذا الأمر جليٌّ لكل من لديه حسٌّ لغويٌّ وإلمامٌ بقواعد اللغة العربية، ولأنّ الحلّ لا يكون بطلب وإنما بقرار. كما لا يمكن تفسير النصّ بأنّ الحلّ يكون بطلب رئيس مجلس الوزراء ثم يوافق رئيسُ الجمهورية على الطلب ويُحلّ المجلس بناءً على قراره، لأنّ صياغة النصّ لا تقبل هذا التفسير، فقد ذكر النصُّ صراحةً بأنّ طلب الحلّ يكون من رئيس مجلس الوزراء وبموافقة رئيس المجهورية، أي بمعنى أنّ رئيس مجلس الوزراء ليس بمقدوره أن يطلب حلّ المجلس بمفرده وإنما يجب أن يكون الطلب مشفوعاً بموافقة رئيس الجمهورية".
وختاماً أخاطبُ روحَ حرب وأقول: كم تفتقدُكَ شاشاتُ التلفاز والقنواتُ الفضائية، وتفتقدُ تحليلاتِكَ وآرائَكَ، ولاسيما في هذه الأيام التي تشهد فيها الساحةُ السياسية العراقية أحداثاً ساخنةً من جهة، وآراءً متضاربةً حول دستورية أو عدم دستورية مواضيع مفصلية مصيرية غاية في الأهمية من جهة أخرى، كانت ستكون لك في كلّ ذلك صولاتٌ وجولاتٌ، ولكن قدّر اللهُ وما شاء فعل، ولا اعتراض على حكمه، فكلّنا لله وكلّنا إليه راجعون.
ملحوظة: أربعينية الميت هي عادة مصرية قديمة، وتقليد متبع منذ عهد الفراعنة الذين كانوا يحنّطون جثة الميت مدة أربعين يوماً، وهذه العادة موجودة في العراق أيضاً، ولكنها تختلف قليلاً عمّا هي عليها في مصر، وهي تقتصر على الذهاب الى قبر الميت وإحياء ذكراه بعد موته بأربعين يوماً، وتطورت هذه العادة فأصبح أهلُ الميت يجتمعون ويقرأون القرآن ويترحّمون على روح الميت ولا ينزعون لباسهم الأسود إلا بعد مضيّ يوم الأربعين، ويجتمعون في اليوم الأربعين من وفاته كاجتماعهم يوم وفاته، ولا يعذر من يتغيب عن هذا الاجتماع عادة. فإقامة أربعينية الميت هي عادة وليست عبادة، بل إنّ فيها تعارضاً مع النصوص الشرعية في هيأتها وأحوالها، ناهيك عمّا فيها من تجديدٍ للحزن على أهل الميت، وتذكيرهم بفقيدهم، وتكليفهم بما لا يطيقون أحياناً.



