بعد أن وصلت العملية السياسية في العراق إلى مرحلة الانسداد وشهدت جموداً في الآونة الآخيرة، وأصبح الكلّ يترقب مبادرة من هذا الطرف أو ذاك لكسر هذا الجمود والجلوس مجدداً على طاولة المفاوضات، وكانت الأنظار تتجه بصورة كبيرة الى السيد مقتدى الصدر الذي جعلته نتائج الانتخابات الأخيرة بمثابة القطب الذي يدور حوله الرحى.
فهو من يمتلك زمام المبادرة لكسر الجمود الحاصل، وهو من يستطيع أكثر من غيره أن يحرك الأحداث وينفخ الروح في سير المباحثات والمفاوضات ويحركها مجدداً بعد أن تبدّد - إلى حدّ كبير - مساعي التحالف الثلاثي لتشكيل حكومة أغلبية - حسب وجهة نظري الشخصية -، ولم يكن هناك حلٌّ يلوح في الأفق وكانت العملية السياسية قد وصلت الى طريق مسدود، - مع الأخذ بالحسبان الدور المحوري الكبير الذي لعبه الرئيس مسعود البارزاني في حلحلة المشاكل وتقريب وجهات نظر الفرقاء السياسيين طيلة الأعوام المنصرمة وكذلك في الأزمة الحالية- وفعلاً جاءت المبادرة من السيد الصدر كما كان متوقعاً، حيث أجرى اتصالات هاتفية مع جميع القوى المؤثرة في الساحة السياسية، بدءً بالرئيس مسعود البارزاني، ومروراً بالسيد محمد الحلبوسي والشيخ خميس الخنجر، وانتهاءً بالسيد نوري المالكي، واتصاله بهذا الأخير كان الخبر الأبرز، نظراً للقطيعة الحاصلة بينهما، ولاسيما من السيد الصدر الذي لم يكن على استعداد للتباحث مع المالكي في الشأن السياسي وأوصد جميع الأبواب في وجهه ولم يُبدِ مرونة في ذلك طيلة الفترة السابقة - ولا أستبعد أن يكون الرئيس مسعود البارزاني وراء هذا التطور الحاصل -، وتعدّ هذه المكالمة انعطافة في سير المباحثات وقد تكون نقطة الارتكاز لكسر الجمود الحاصل والدخول في مرحلة جديدة من المفاوضات قد تعجّل من خطوات تشكيل الحكومة المقبلة.
يبقى هناك أمرٌ غاية في الأهمية أريد أن أعرّج عليه، وهو قضية الاستحقاقات الانتخابية للكتل الفائزة المتمثلة بتوزيع المناصب الرئاسية والوزارات، والذي قد يقف حجر عثرة في طريق تشكيل الحكومة المرتقبة ما لم يُحسَم بشكل منطقي يُرضي جميع الأطراف.
وفيما يلي نسجّل رأينا القائم على لغة الأرقام بخصوص كيفية توزيع المناصب، وأنا هنا لا أتبنى رأياً يمثّل جهة سياسية معينة، بقدر ما هي وجهة نظر شخصية مستندة على المعطيات التي أفرزتها نتائج الانتخابات:
1. منصب رئاسة الوزراء: هذا المنصب بحسب العرف السائد هو من حصة المكون الشيعي، والكتلة الصدرية هي أكبر كتلة شيعية، بل هي أكبر كتلة على الإطلاق، وعليه فإنّ من حقهم أن يرشحوا شخصية لتبوّء هذا المنصب، على أن يحظى برضى الأطراف المشاركة في الحكومة، ولاسيما القوى المنضوية في الإطار التنسيقي.
2. منصب رئاسة الجمهورية: هذا المنصب هو من استحقاق المكون الكوردي بحسب العرف السائد، وبما أنّ الحزب الديمقراطي الكوردستاني هو الحزب الأول على مستوى الأحزاب الكوردستانية ومقاعده تبلغ تقريباً نصف مقاعد جميع الكتل الكوردستانية الأخرى مجتمِعةً، ولذلك فإنّ من حقّ مرشحهم أن يتقلد منصب رئاسة الجمهورية، صحيح أن هذا الأمر سيُحسم بالتصويت داخل قُبّة البرلمان، ولكن هذه العملية تسبقها اتفاقات سياسية تحدّد الفائز في سباق الرئاسة كما هو معلوم لدى الجميع، وعليه فإنّ على جميع الأطراف أن تحترم النتائج التي أسفرت عنها الانتخابات، أما إذا كان من المقرّر أن يكون هذا المنصب بيد قوى سياسية معينة يهبونها لمن شاءوا -بغض النظر عن عدد مقاعدهم وثقلهم السياسي- ضاربين بنتائج الانتخابات عرض الحائط، فإنّ علينا آنذاك أن نقرأ السلامَ على البقيّة الباقية من العملية الديمقراطية في البلاد وندقّ المسمار الأخير في نعش هذه الديمقراطية الناشئة. وإذا كان الحزب الديمقراطي قد منح هذا المنصب للاتحاد الوطني في الحكومات السابقة بناءً على اتفاقات كانت قد أبرمت بين الطرفين (المتحالفين)، فإنّ ذلك لا يعني أن يستمر الوضع على ما كان عليه، حيث إن الوضع قد تغير في السنوات الأخيرة، ولم يعد لهذا التحالف وجودٌ على أرض الواقع، إذ أنّ كل حزب يشارك في الانتخابات بقائمة مستقلة عن الحزب الآخر، سواء في انتخابات مجلس النواب العراقي أو في انتخابات برلمان إقليم كوردستان، ولذلك لا ينبغي أيضاً أن يتمّ الربط بين منصب رئاسة إقليم كوردستان ومنصب رئاسة جمهورية العراق، إذ أن توزيع المناصب في إقليم كوردستان وفي الدولة العراقية يكون بحسب معطيات الانتخاباتين وفي ضوء النتائج التي تتمخض عنهما، ولا علاقة لأحدهما بالآخر، فالقرار أولاً وأخيراً هو قرار الشعب، ولا يجب أن يخضع لرغبات أطراف سياسية معينة تريد أن ترسم ملامح الدولة وفق منظورها الضيق وكما تهواها ولا تولي للانتخابات ولمخرجاتها أية أهمية، فهذا المنصب ليس حكراً لجهة معينة، لأن المعادلة قد تغيرت والشعب قد قال كلمته بهذا الخصوص.
يُضاف الى كلّ ذلك أن مرشح الحزب الديمقراطي الكوردستاني هو الأكفأ من بين المرشحين لتولّي هذا المنصب، حيث إنه شخصية ناجحة ومحترمة ويحظى بشعبية كبيرة في الأوساط الشعبية والسياسية، ويتسم بنظرته الثاقبة للأمور، ويتمتع بكافة المؤهلات التي ترشحه لتبوء هذا المنصب، وقد أثبت جدارته في إدارة المناصب التي تقلدها، ولاسيما نجاحه الباهر في إدارة وزارة الداخلية التي يشوبها الكثير من التعقيدات الإدارية والتجاذبات السياسية، ولكنه على الرغم من كلّ ذلك أدارها بأفضل ما يكون، علاوة على كلّ ما سبق هو ابن عائلة مضحية عانت الأمرّين في عهد النظام البائد، حيث إن أغلب أفراد عائلته كانوا ضحايا السياسات القمعية التي تبنّتْها أزلام حزب البعث الفاشي، فجلوس السيد ريبر أحمد على كرسي الرئاسة سيكون رمزاً لصمود المواطن العراقي وانتصاراً للمظلومة على الظلم، أما منافسوه في سباق الرئاسة من الشخصيات الأخرى فأغلبهم يفتقدون الى التجربة والخبرة، إذ لم يسبق لهم أن تقلدوا منصباً وزارياً أو إدارياً، ومنصب رئيس الجمهورية -الذي هو رمز وحدة الوطن ويمثل سيادة البلاد- ليس حقلاً للتجارب يشغله كلّ من هبّ ودبّ دون أن يتمتع بالمؤهلات الكافية لتبوء هذا المنصب الهامّ، في حين أنّ أبرز الأسماء الأخرى من مرشحي الرئاسة ممّن لديهم تجارب سابقة قد سُجّلت عليهم مؤشرات سلبية ولم يكونوا موفّقين على الإطلاق في إدارة المناصب التي تقلّدوها.
3. منصب رئيس مجلس النواب: هذا المنصب هو من استحقاق المكون السني بحسب العرف المتّبع، وقد آل هذا المنصب كما هو معلوم إلى حزب تقدم وإلى رئيسه السيد محمد الحلبوسي، وكان يسحقه بجدارة، لأن حزبه حصد ٣٧ مقعداً مبتعداً بذلك عن أقرب منافسيه من أحزاب المكون السني الأخرى بأشواط كبيرة.
4. الوزارت التي هي من حصة المكون الشيعي: كانت حصةُ المكون الشيعي اثنتي عشرة وزارة من مجموع الوزارات التي بلغت 22وزارة في حكومة السيد عادل عبدالمهدي و 23 وزارة في حكومة السيد الكاظمي، كانت حصة التيار الصدري منها أربع وزارات، أما الأحزاب الشيعية الأخرى المنضوية حالياً تحت الإطار التنسيقي فكانت حصتها ثماني وزارات. ولكن الانتخابات الأخيرة غيّرت المعادلة وفرضت واقعاً جديداً، حيث إن عدد مقاعد التيار يفوق السبعين مقعداً، وعليه فإنهم يستحقون سبع وزارات، من بينها وزارة أو وزارتان من الوزارات السيادية الثلاثة الذي جرى العرف السياسي على منحها للمكون الشيعي، وهي وزاراة الداخلية ووزارة النفط ووزارة المالية أو الخارجية. أما عدد مقاعد قوى الإطار فيفوق الخمسين مقعداً، وعليه فإنّ حصتهم من الحقائب الوزارية بحسب لغة الأرقام هي خمس وزارات، من بينها وزارة سيادية أو وزارتان سياديتان. ولا أحدّدُ هنا مَن مِن الطرفين يستحق وزارتين سيادتين ومَن يستحق وزارة سيادية واحدة، لأن الأمر يخضع للاجتهاد ويتوقف على الزاوية التي ننظر من خلالها للموضوع، فبإمكاننا أن نقول بأنّ التيار الصدري يستحق وزارتين سياديتين، وذلك اذا أخذنا بنظر الاعتبار أنه الكتلة الأكبر وأنه هو من يُشرِك قوى الإطار في الحكومة، ومن زاوية أخرى يمكننا أن نقرّر بأنّ الإطار هو من يستحق وزارتين سياديتين، وذلك إذا أخذنا بنظر الاعتبار أنّ التيار سيظفر بمنصب رئيس مجلس الوزراء الذي هو أعلى منصب في الدولة، وفي مقابل ذلك ينبغي أن تُمنح وزارتان سياديتان للإطار، وبين هذا وذاك هناك مساحة كافية للحوار والتباحث من أجل التوصل لاتفاق يُرضي الطرفين، لأن رقعة الخلاف آنذاك لن تكون كبيرة.
5. الوزارات التي هي من حصة المكون السني: كانت حصة المكون السني في حكومة السيد عادل عبدالمهدي والسيد الكاظمي ستّ وزارات، بينها وزارتان سياديتان، وهي وزارتا الدفاع والتخطيط، في حين كانت حصة المكون الكوردي ثلاث وزارات، بينها وزارة سيادية، وكانت وزارةَ المالية في حكومة عادل عبدالمهدي، ووزارةَ الخارجية في حكومة الكاظمي، ولكن نتائج الانتخابات الأخيرة تستوجب التغيير في عدد وزارات المكونين، إذ أن الكورد يستحقون هذه المرّة أربع وزارات على أقلّ تقدير، في حين ينبغي أن تتقلص حصة المكون السني الى خمس وزارات، لأنّ عدد مقاعد المكون السني ليس ضعف مقاعد الكورد، حتى يأخذوا ضعف ما يأخذون من الحقائب الوزارية، فمقاعد المكون الكوردي يفوق الستين مقعدا، أما مقاعد المكون السني فتتراوح ما بين خمس وسبعين الى ثمانين مقعداً، فلو فرضنا جدلاً بأن عدد مقاعد الكورد هي ستون مقعداً فقط-مع أنها أكثر من ذلك- ومقاعد المكون السني ثمانون مقعداً، فإنه وبمعادلة رقمية دقيقة يتضح أن حصة الكورد من الوزارات التسع هي أربع وزارات، وحصة المكون السني تكون خمس وزارات. أما عن توزيع الحقائب الوزارية المخصصة للسنة فإنه لن يلقى صعوبة كبيرة بعد أن توحّد الحزبان المتنافسان (تقدم بقيادة الحلبوسي والعزم بقيادة الخنجر) في تحالف واحد حمل اسم تحالف السيادة، حيث سيظفر هذا التحالف بأربع وزارات من الوزارات الخمس، من بينها وزارة الدفاع ووزارة التخطيط، في حين ستؤول وزارة واحدة من الوزارات الخمس الى البقية الباقية من كتلة عزم بقيادة مثنى السامرائي، وقد تخطف تحالف السيادة هذه الحقيبة أيضا إذا ما نجحت في استقطاب نواب آخرين من المكون السني الى كتلتهم البرلمانية.
6. الوزارات التي هي من حصة المكون الكوردي: حصة المكون الكوردي من الحقائب الوزارية ستكون على أقلّ تقدير أربع وزارات كما أسلفنا، من بينها وزارة سيادية، قد تكون وزارة المالية أو وزارة الخارجية كما هو المعهود، سيكون نصيب الديمقراطي الكوردستاني وزارة واحدة شبه سيادية، نظراً لظفره بمنصب رئاسة الجمهورية، وستكون حصة الاتحاد الوطني وزارتين، إحداها سيادية، إما وزارة الخارجية أو المالية، وسيكون وزير تلك الوزارة في الوقت ذاته نائباً لرئيس مجلس الوزراء، أما الوزارة الأخرى فقد تؤول إلى الاتحاد الإسلامي الكوردستاني -مع قلة مقاعدهم- باعتبارهم يمثلون الأحزاب الأخرى عدا البارتي واليكتي، ولاسيما بعدما اختار الجيلُ الجديد الذي يمتلك تسع مقاعد طريقَ المعارضة، باعتبار أن مقاعد تلك الأحزاب مجتمِعة هي أربعة عشر مقعداً من مجموع ثلاثة وستين مقعداً للمكون الكوردي، وبمعادلة رقمية دقيقة يتضح أنّ تلك الأحزاب كانت ستظفر بحقيبة وزارية فيما لو كانت متوحّدة، أما والحال هذه فإنّ الأمر سيبقى رهن الاتفاقات وما ستسفر عنه المفاوضات، ولكن هذا الاحتمال سيظلّ قائماً.
7. حصة المكون المسيحي والمكون التركماني من الوزارات: خصّصت حقيبة وزارية للمكون المسيحي في حكومتي عبدالمهدي والكاظمي، أما التركمان فلم يُمنحوا أية حقيبة وزارية في حكومة عبدالمهدي، إلا أنه تمّ استحداث منصب وزير الدولة لشؤون التركمان في حكومة الكاظمي تبوءها شخصية تركمانية، ويُتوقّع أن تسير الحكومة المقبلة على ذات المنوال وتخصص حقيبة وزارية للمكون المسيحي وأخرى للمكون التركماني.
هذا، ويجب أن يُراعَى التوازنُ في توزيع المناصب الأخرى كذلك، حتى يأخذ كلّ مكون حقه واستحقاقه دونما غبن أو تجاوز، ويجب أن يدار البلد وفق مبادئ الشراكة والتوافق والتوازن. فالعراق بلد المكونات ويجب أن يكون للجميع دونما تهميش أو إقصاء.
أما فيما يخص شكل الحكومة القادمة فبحسب المعطيات الحالية قد تكون (حكومة الأغلبية التوافقية الوطنية) هي الحل الأمثل في هذه المرحلة، إذ أن تشكيل حكومة تشترك فيها أغلب القوى السياسية الفاعلة والمؤثرة، سينتج عنها استقرار العملية السياسية ولن تواجه تحدياتٍ تعرقل خطواتها وتبعثر أوراقها، ولكن مع شديد الأسف فإنّ كلّ ذلك قد يحصل فيما لو تمّ تشكيل حكومة تقابلها معارضة قوية، لأن الأحزاب السياسية في العراق لا تريد أبداً أن تكون خارج السلطة لأسباب معروفة للجميع، وهذا هو مكمن المشكلة، ويبدو أن المشرّع العراقي قد وضع هذا الأمر في الحسبان حينما صاغ الدستور، ولذلك عندما نقارن بين المادة 70 من الدستور العراقي التي تتحدث عن نصاب جلسة انتخاب رئيس الجمهورية والتي تتطلّب الثلثين، مع المادة 76 التي تتحدث عن الكتلة النيابية الأكثر عدداً، نلحظ بأنّ المشرّع قد راعى هذا الأمر، نظراً لدرايته التامة بطبيعة المجتمع العراقي وبالتركيبة الفكرية والسياسية والثقافية لهذا المجتمع، فبالمقارنة بين المادتين نكتشف ضرورة اتساع رقعة الكتلة النيابية الأكثر عدداً بحيث تشترك فيها أغلب القوى السياسية، حتى تتمكن من عقد الجلسة المخصصة لانتخاب رئيس الجمهورية، وهذا الأمر قد لا يبدو منطقياً لكن واقع العراق السياسي يتطلب ذلك. وفي حال لو تمّ تشكيل حكومة الأغلبية التوافقية الوطنية هذه، فإنها يجب أن تضع في أولى أولوياتها: تقديم كافة الخدمات للمواطنين ومكافحة الفساد والضرب على أيدي الفاسدين، ومنع السلاح المنفلت، وأن لا تتقاعس في ذلك.
ومع اتساع رقعة الكتلة الأكبر آنذاك ولكن في المقابل ستكون هناك معارضة نأمل أن تكون بنّاءة تقوم بدورها الرقابي على أكمل وجه، وفي نهاية المطاف - إن سار الأمر على هذا المنوال - سيتلمّس المواطن تغييراً على أرض الواقع وإن لم يلبّ كافة تطلعاته، ولكن عملية التغيير الناجحة غالباً ما تكون تدريجية، فالأمور كلها لا يمكن أن تتغير بين عشية وضحاها، وان كنا كلُّنا نتوق إلى ذلك، لأنّ مسافة ألف ميل كما يقولون دائماً ما تبدأ بخطوة واحدة، فإذا ما تمكّنت الحكومة من أن تُحدِث تغييراً في أسلوب إدارة الدولة وكانت حكومة خدمات وإعمار وتلبية حاجات المواطنين، وكانت هناك معارضة بناءة تراقب أعمال الحكومة عن كثب وتكشف مكامن الخلل وتقوم بعملها الرقابي كما ينبغي، فإن المواطن سيشعر آنذاك بالتغيير الحاصل، ويمكن أن يصبح ذلك انعطافة في تاريخ العراق الحديث، إذ لم يسبق أن كانت هناك معارضة في مجلس النواب العراقي، ولم يسبق أن كانت هناك جديّة وإصرار بهذا الشكل على تشكيل حكومة وطنية تلبّي تطلعات المواطنين. مع الاعتراف بأنّ ما ذكرتُه آنفاً قد يكون أقرب إلى التمني منه إلى الواقع، ولكن مع ذلك يجب أن نكون متفائلين بعض الشيء وأن لا نفقد الأمل كلياً ولا نيأس، فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون.
وفي الختام نتمنّى من صميم قلوبنا أن تكون القوى السياسية قد استوعبت الدرسَ وفهمت فحوى الرسالة التي أوصلتها لهم ساحاتُ التظاهر، وتجعلَ الهتافاتِ التي ردّدها التشرينيون حلقةً في آذانها وتضعها نصب أعينها بحيث لا تفارق أبداً مخيّلتها، فهذه الأحزاب يجب أن تتيقن بأنّ الحكومة المقبلة هي بمثابة الفرصة الأخيرة لهم، لذلك يجب عليهم أن يعملوا بكلّ ما أوتوا من قوة على تصحيح مسار العملية السياسية، وإلا فإنّ البلاد ستدخل في نفق مظلم، ولن تقوم لهذه الأحزاب قائمةٌ بعد ذلك، وسيندمون آنذاك، ولكن ولات حين مندم.



