إقليم كوردستان تحول الى مأوى للنازحين العراقيين واللاجئين السوريين منذ تشكيل مؤسساته الحكومية والتشريعية عام 1992 رغم تواضع امكانياته المادية والتهديدات الأمنية المستمرة التي يتعرض لها من قبل المجاميع الإرهابية "داعش" والميليشيات العراقية المنفلتة، وبحسب الاحصائيات يوجد ما يقارب المليونين من هؤلاء النازحين واللاجئين في الإقليم وهم يحظون برعاية واهتمام ممتازين من قبل حكومة الإقليم.
ولم يقتصر الامرعلى اللاجئين والنازحين بل لجأ الكثير من زعماء الأحزاب الشيعية المعارضون لنظام الحكم البعثي الى اقليم كوردستان شبه المستقل والمتمتع بهامش كبير من الديمقراطية والحرية ورعاية حقوق الانسان على اثر انسحاب القوات العراقية منه عام 1991 بضغط من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الاميركية امتثالاً للقرار الصادر من مجلس الامن رقم 668 القاضي بحماية الشعب الكوردي من بطش وقمع النظام البعثي البائد الذي مارس بحقه ابشع أنواع الإبادة الجماعية من خلال عمليات عسكرية واسعة سميت بـ"الانفال" عام 1988 وذهب ضحيتها اكثر من 180 الف انسان بريء وكذلك استعماله للأسلحة الكيمياوية ضد المدنيين وهدم وتدمير الاف القرى والمدن.
تابعوا قناة رووداو عربية على تليغرام
وعقب تولي الأحزاب الشيعية الحكم في العراق بعد سقوط النظام البعثي عام 2003 جاء دور زعماء السنة السياسيون والعشائريون للاحتماء بالإقليم فراراً من الاعتقالات والملاحقات، وكعادة الشعب الكوردي في إغاثة الملهوف واعانة المنكوب، احتضنهم وضمن لهم الحرية والحياة الكريمة التي تليق بالإنسان الذي كرمه الله، وخاصة بعد الحرب الاهلية الطائفية في عامي 2006 و2007 التي أدت الى سقوط عشرات الالاف من القتلى "على الهوية!" بين الجانبين على يد فرق الموت، حيث تدفقت الاف العوائل النازحة صوب كوردستان حفاظا على حياتهم، وقد دفع الإقليم ثمناً باهظاً من استقراره واقتصاده نتيجة هذه السياسة الإنسانية الثابتة، وكلنا قد رأينا كيف ان رئيس إقليم كوردستان السابق "مسعود بارزاني" رفض طلب رئيس الوزراء الأسبق "نوري المالكي" بتسليم نائب رئيس الجمهورية "طارق الهاشمي" الذي لجأ الى الاقليم في ديسمبر من عام 2011 هربا من الاعتقال بتهمة الإرهاب "قانون 4 إرهاب وعقوبته الإعدام" وقال بإصرار "لن نسلمه باي شكل من الاشكال لان الاخلاق الكوردية لا تسمح لنا بتسليم الذي يلجأ الينا" ونتيجة هذا الموقف الإنساني المنسجم مع مباديء واهداف الأمم المتحدة، عوقب الإقليم بحصار شامل وقطع رواتب موظفيه عام 2014 ومازالت هذه العقوبة القاسية سارية لحد الان.
المالكي والكثير من القادة العراقيون عاشوا في كوردستان شطراً من حياتهم هرباً من الملاحقة ولكن بعد ان اعتلوا السلطة تنكروا لحسن صنيعه وجميل معاملته لهم، فجزوه جزاء سنمار.
لم يتوقف العداء السافر للاقليم عند الحصار والتجويع، بل تعداه الى التحريض والهجوم الخطير على منشئاته بالصواريخ والطائرات المسيرة "درون" تمهيدا لنسف كيانه الدستوري وإعادة العراق الى الدكتاتورية وهيمنة مكون او حزب واحد على الحكم .
ورغم إعاقة جهود السلام من قبل بعض الجماعات المؤثرة في بغداد ووضع العراقيل امام المصالحة الوطنية وخلق الازمات ودق الاسفين بين بغداد واربيل، فان الكورد مازالوا متمسكين بمبادئ السلام وحل المشاكل عن طريق الحوار.
وقد بذل رئيس إقليم كوردستان الحالي "نيجيرفان بارزاني" جهوداً استثنائية لانهاء تلك الازمات المفتعلة وتطبيع العلاقات مع بغداد وفق دستور البلاد، ولكي ينجح في نشاطه الدبلوماسي كان لابد ان يقوم بزيارات مكوكية الى بغداد ويلتقي خلالها رؤوساء العراق الثلاث وقادة الكتل والأحزاب الشيعية والسنية، وبعد محاولات متواصلة وعزيمة لا تلين، استطاع ان يحرك المياه الراكدة ويحقق بعض التقارب في وجهات النظر على أساس المصالح المشتركة والعلاقات الإنسانية والروابط الإسلامية بما يخدم استقرار العراق ويحافظ على وحدته الوطنية.



