ليس مستبعداً أن يندلع القتال بين الأخوة هذه المرة من العراق، وليس من إقليم كوردستان، ومع أن هذه بشارة سوء، إلا أن مؤشرات كثيرة تدل على أن العراق ماض باتجاه حرب أهلية، أو على الأقل باتجاه عدم استقرار سياسي، في البيت الشيعي، أي في قمة الحكم العراقي.
لأغلب القوى المتنفذة في العراق ميليشيات مسلحة، ومع أنها خاضت صراعاً شديداً في السنوات الماضية، إلا أنها لم تخض بعد تجربة الحرب الأهلية وتجنبتها، في حين أن الولوج في أنفاق الحرب الأهلية المظلمة هي نتيجة حتمية في أغلب الأحيان، لحين اتفاق الأطراف فيما بينها.
هذه القوى لم تتواجه إلا في حرب غير معلنة صامتة، من خلال السيارات المفخخة والاغتيالات، ولم تمر بمواجهة حقيقية دموية مع بعضها البعض.
وهناك العديد من الأسباب منها حنكة هذه الأطراف ودور المرجعية العليا ومنها توازن القوى بين أمريكا وإيران في العراق.
هذا إضافة إلى الخطر الخارجي الحقيقي، من قبيل كابوس عودة السنة وظهور داعش، كل هذه الأسباب وكذلك حفظ التوازن من جانب الكورد، خصوصاً في أيام مام جلال، حالت دون حرب أهلية في داخل البيت الشيعي بالرغم من الصراعات وتوفر الميليشيات.
أما الآن، ومع زوال وضعف قسم كبير من أعمدة منع وقوع مواجهة بين تلك القوى في العراق، وبعد النتائج المشبوهة للانتخابات والتي غيرت موازين القوى في بغداد، فإن المؤشرات تدل على صعوبة تحقيق اتفاق بين تلك القوى.
يبدو أن هذه الانتخابات هي أسوأ انتخابات جرت في تاريخ العراق، وإضافة إلى كل ما يقال عنها وظهور دعوات لإلغائها، فإنها تكاد تكون الضمانة الوحيدة للحفاظ على الوضع السياسي والأمني العراقيين. أي أن إلغاءها سيؤدي إلى وقوع العراق بين حجري رحا الأزمات والصراعات الداخلية.
وقد لمح كثير من السياسيين العراقيين من أمثال هوشيار زيباري ونوري المالكي وكثير غيرهم من المراقبين للوضع في العراق، إلى أن إلغاء نتائج هذه الانتخابات سيزج بالعراق في مأزق عدم استقرار سياسي.
وهذا يعني أن إلغاء نتائج آخر انتخابات لن يضع العراق أمام انتخابات أخرى جديدة، بل هناك احتمال كبير بأن ينزلق به نحو مشاكل سياسية جديدة ومواجهات بين القوى.
إن قوة كالتيار الصدري الذي دفعته الانتخابات إلى أمام وبقوة، لديها خلفية ليست بالجيدة مع القوى الأخرى من قبيل حزب الدعوة وفتح وهادي العامري ونوري المالكي.
إن مقتدى الصدر، الذي يهدد ويتوعد باستمرار، قد قام عملياً بشبه انقلاب مدني في العراق من خلال أتباعه وأنصاره ومريديه وجماهيره، عندما سيّر تظاهرة مليونية إلى حرم مجلس النواب الذي كان يضم ممثلي جميع القوى.
وهو نفسه يستطيع الآن تكرار ذلك، لو انتزعت منه تلك الحصة الكبيرة التي نالها من خلال الانتخابات.
ويمكن أن يكون اشتداد الصراع بين أمريكا وإيران واحداً آخر من أسباب النزاع داخل العراق كون قسم من القوى الشيعية العراقية يتبع أمريكا وقسم آخر يتبع إيران.
ومن المهم في هذا الخضم أن يحمي الكورد أنفسهم من هكذا احتمال، وأن لا يكون إقليم كوردستان جزءاً من هذه المواجهة، لأنه خاض تجربة الاقتتال الداخلي ويعرف كم هو مدمر هذا الاقتتال.
ومهما شهد كوردستان من صراعات سياسية فإن من المهم إبعاد شبح الحرب عن شعبنا، وأن لا تتحول الشوارع إلى ميدان لحسم الصراع السياسي.
وتقع المسؤولية في هذا على الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني بالدرجة الأولى، لكونهما قوتين مسلحتين، وإبقاء حركة كالتغيير حركة غير مسلحة وإبعاد فكرة التسلح عن أفكار بعض ناشطي تلك الحركة السياسية.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



