بعد قرن كامل من التقسيم، من التشتيت والتشريد، الظلم والاضطهاد والسجون، من الانفال والجينوسايد، بعد آلاف الشهداء، العديد من الثورات والانتفاضات والمقاومة بكل اشكالها والتضحيات الجسام للحافظ على الهوية القومية الكوردية، قرر رئيس اقليم كوردستان العراق مع الأحزاب الكوردستانية أجراء استفتاء شعبي في 25/9/2017، وإعطاء الشعب الكوردستاني الحق ليقول كلمته ويقرر مصيره في البقاء مع العراق أم الاستقلال.
القرارات المصيرية تحتاج إلى قادة عظام وشخصيات تاريخية ذات كاريزما لتغيير مجرى التاريخ ووضع بصماتها على المرحلة والعصر الذي يعيش فيه.
هذا هو الرئيس مسعود البارزاني المعروف للقاصي والداني بأنه سليل عائلة كوردية عريقة ومن النبلاء الكورد، حياته كانت حافلة بالنضال والمقاومة ، دخل منذ الطفولة معترك النضال والبيشمركايتي إلى جانب والده القائد التاريخي (مصطفى البارزاني).
تعلم مسعود البارزاني من مدرسة والده النضال والبيشمركايتي والدبلوماسية وحاول خلال كل المراحل أن يكون محاميا ناجحا للدفاع عن القضية القومية ليس في كوردستان –العراق فحسب بل عن الاجزاء الأخرى من كوردستان، ولم يتخلى يوما عن حقوق شعبه ارضاء أو تحت ضغوطات الانظمة الغاصبة لكوردستان... كان مبدأيا في القضايا القومية الثابتة، وكان له دور مشرف في ثورة أيلول 1961، شارك وهو في الرابعة والعشرين من عمره مع الوفد الكوردي في المفاوضات مع بغداد 1970، حتى وفاة والده 1979، بعدها انتخب رئيسا للحزب الديمقراطي الكوردستاني، وترأس الوفد الكوردي مع الاحزاب الكوردستانية في مفاوضات 1991 مع الحكومة العراقية إلا أنها لم تصل إلى نتيجة.
مسعود البارزاني كان له دور مهم في معظم الاحداث السياسية التي جرت في العراق وخصوصا بعد سقوط صدام حسين وتشكيل المجلس الانتقالي للحكم واصبح رئيسا لدورة رئاسية للمجلس، شارك في عدة مؤتمرات دولية، وفي 12 حزيران انتخب كأول رئيس لإقليم كوردستان من قبل المجلس الوطني الكوردستاني.
ثم تم إعادة انتخابه للمرة الثانية 2009 وحصل على 70% من أصوات الناخبين، سمي بحكيم العراق نتيجة مواقفه الحكيمة والموزنة التقى خلال رئاسته لإقليم كردستان رؤساء العديد من الدول وظهر بزيه الكوردي البيشمركة مع الرئيس الامريكي جورج بوشن الابن عندما زار واشنطن بدعوة من الأخير. استغل كل الفرص ليعبر عن مظلومية شعبه وحقه في العيش كسائر شعوب العالم وحاول أن يظهر للعالم بأن الشعب الكوردي له ثقافة وعادات وتقاليد مختلفة عن الشعوب الاخرى لذا على العالم المتحضر دعم هذا الشعب للوصول إلى حقوقه المشروعة.
بعد ظهور تنظيم الدولة الاسلامية (داعش) وسقوط الموصل وهروب الجيش العراقي تاركا سلاحه المتطور من دبابات وعربات في ارض المعركة. أعلن بعدها زعيم داعش أبو بكر البغدادي قيام "الخلافة الإسلامية" من على منبر "جامع النوري" في موصل وجعلها عاصمة له يوم 4 يوليو/تموز 2014 وبتلك الاسلحة هاجم ارهابي داعش شنكال وارتكب بحق الاخوة الإيزيديين أكبر مجازر العصر وحشية واختطفوا اكثر من ( 5000 ) خمسة الاف أمرة وطفل وشيخ، سبيت النساء واصبح داعش على ابواب هولير وكانت مؤامرة كبيرة للقضاء على الكورد ولكن شجاعة البيشمركة وحكمة البارزاني كانت أقوى من اسلحة داعش الفتاكة. فالبيشمركة ببطولاتهم كسروا شوكة داعش بقيادة البيشمركة القدير مسعود البارزاني الذي كان يقود معركة شنكال بنفسه وأصبح الكورد مجال احترام لدى كل شعوب العالم وأصحبت هولير عاصمة الدبلوماسية آنذاك. وكل يوم كان يزور أربيل رئيس وزراء وزوراء خارجية أودفاع دولة أوروبية، حتى رئيس دولة عظمى كفرنسا زار هولير العاصمة مرتين وشيد بمواقف وبطولات البيشمركة، اعترفوا جميعا بأن الكورد هم الذين دحروا داعش وهم الذين يدافعون عن الانسانية جمعاء بدمائهم الذكية وقدموا المساعدات العسكرية واللوجستية للكورد، وقال الرئيس البارزاني وقتها: "ان سايكس بيكو قد انتهى واننا نرسم الحدود الجديدة بالدم..." هذا ما قاله وفعل...واليوم يعلنها بكل دبلوماسية بأننا لم نعد نستطيع العيش معاً ولم يلتزم حكام بغداد بالدستور العراقي لابل تماطلوا وحاولوا أن يُقزموا دور الكورد في جميع المجالات، لذا يقول البارزاني : بأننا نرغب أن نكون جيران جيدين لأننا لم نستطيع أن نكون شركاء حقيقين في وطن مكبل بالدماء!
الدبلوماسية الكوردية الهادئة أثبتت المهارة والذكاء والحنكة والدراية والبراعة والحكمة، وتحاول بكل هدوء وبدون تشنج واستفزاز أن تقنع العالم بأن خطوتها تجاه الاستقلال محقة ومشروعة وفي وقتها المناسب، بالرغم من أن هناك أصوات تقول أن الوقت غير مناسب. لكن الكورد أثبتوا بجدارة أنهم شعب يستحق العيش كالآخرين وما تقوم به الآن القيادة الكوردية من تحضيرات ليوم الاستفتاء 25 /9، وارسال رسائل التطمين لكل دول المنطقة والعالم بأنهم سيكونوا عامل استقرار وأمان في المنطقة والعالم، ولكن رغم ذلك هناك دعوات تطالب الاقليم بتأجيل الاستفتاء، وآخرها دعوة وزير خارجية أمريكا ريكس تيلرسون، لكن سرعان ما رد عليه الدبلوماسي المخضرم هوشيار زيباري وأحد أعضاء المجلس الاعلى للاستفتاء "بأن هذه الدعوة غير مقبولة وأن الاستفتاء سيتم في يومه المحدد".
أعتقد أن أي تراجع عن هذه الخطوة سيكون له نتائج كارثية على الاقليم والشعب الكوردستاني وهذا برأيي ما سيقرره الرئيس مسعود البارزاني لأنه يعلم جيداً أنه لا بديل غير ذلك وليست ثمة فرصة مناسبة أكثر من هذه، ضمن الظرف الراهنة. كما يعرف جيدا بأنه يمثل نبض الملايين من الكورد الذين يحلمون ومنذ ولادتهم بهذا اليوم التاريخي العظيم.
إننا على قناعة تامة بأن السير في هذا المشروع وتحقيق حلم الملايين من الكورد سيخلد في التاريخ هذا القائد العظيم وسيدون اسمه بحروف من ذهب.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



