خلال السنوات الثلاث التي قضيتها في الابتعاث بدولة كندا، وبالتحديد مدينة تورينتو، كنت ضيفةً على الجالية الكوردية في احتفالاتهم هناك، حيث كان معي في نفس معهد الجامعة طلاب وطالبات كورد، بعضهم من شرق كوردستان "إيران" والبعض الآخر من شمال كوردستان "تركيا"، وكانت تلك الاحتفالات تخص رأس السنة الكوردية "نوروز"، ويوم الفلكلور والثقافة الكوردي الذي يقام في أغسطس من كل عام.
ما يميز هذه الاحتفالات هي رقصاتهم "الدبكة"، والتي فيها متعة بصرية تسر الحاضرين، خصوصاً حين تتكون حلقات طويلة من سلسلة بشرية، وتلك اللمسات الفنية بإيقاعاتها المختلفة، والتي تختلف معها تصاميم الرقصات وطريقتها تبعاً لبيئة نشوء تلك الرقص.
وكمشاهد وحاضر لهذه المناسبات سحرتني تفاصيل تلك الرقصات، والتي لها معنى في مخيلتي ومخيلة الحاضرين، وربما هو يكون التفسير الوحيد لها لدى أصاحبها، فتشابك الأيدي الدائم في كل الرقصات الكوردية، سواء ما يخص الكورمانجية والسورانية والفيلية، والتي تحمل تحتها أيضاً مسميات أخرى، يجعلنا نستوحي منها سبب وحدتهم جنباً إلى جنب بالرغم من اختلاف نشأتهم وأفكارهم.
فهناك مثل كوردي يقول ( Ez bi te, Tu bi Min, Em gî bi xweda)
ومعناه بالعربية "أنا بك، وأنت بي، ونحن جميعاً بالله".
لكل رقصة طريقة أداء خاصة بها ومعزوفاتها التي تقدم فيها الرقصة، لكن عنصر تشابك الأيادي والأداء الجماعي هو جوهرها، بالإضافة إلى عنصر مشاركة المرأة جنباً إلى جنب مع الرجل في حلبة الرقص، والتي تحمل رسالة المشاركة والقبول المجتمعي لشقائق الرجال كالمرأة".
كل ذلك كان كفيلاً بجذب الأجانب الحاضرين في يوم الفلكلور الكوردي المنعقد في تورينتو ٢٠١٥م، وشد انتباههم أن تكون امرأة كوردية محجبة في مقدمة "الدبكة" وهي من تحمل إيقاعها وتحمل المنديل "چوپى"، والذي يحمله دوماً الشخص الذي يكون في مقدة الدبكة، وهو بمثابة القائد.
فلا عجب إذاً أن نجدها في مراكز القيادة والدفاع عن الوطن، ومثال ذلك وحدات حماية المرأة الكوردية المقاتلة، وأيضاً رعاية السروك مسعود البارزاني لحفل تخريج٢٠٠ ضابطة ضمن قوات البشمركة.
إن الرقصات الكوردية بمختلف مسمياتها واختلاف عدد خطواتها يعتمد على الصيغة الجماعية، حيث أن الفردية في الرقص غير موجودة إطلاقاً، ولم تكن يوماً أحد لوحاتهم التي ينشرونها أينما كانوا، والتي تكون بمثابة سيرة ذاتية عن مجتمعهم وثقافتهم .
لعل أكثر الرقصات شيوعاً هي "شيخاني" و"كورمانجي"، وهي رقصات جماعية تختلف في طريقة أدائها، لكنها من الأكثر شهرة في مناسباتهم، ويتقنها الأغلبية بحسب ما عرفته منهم .
فهل يتلقف السياسيون الكورد الدروس من رقصاتهم، ويأخذون عبرةً عملية في أن العمل الجماعي أكثر إتقاناً من العمل الفردي، وأن رص الصف هو قوة وبأداء جماعي كل له مكانه ومركزه والهدف واحد، وهو إدخال الفرح على الشعب الكوردي سواءعلى من هم في "حلبة الدبكة"، أو حتى من يعيش على كل حلبة دولة كوردستان .
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الاعلامية



