رووداو ديجيتال
بعد أن كانت العوائل البغدادية حريصة على تناول طعام إفطارها في شهر رمضان المبارك ببيوتها أو بيوت الأقارب، مجتمعين، والسهر حتى يقترب موعد السحور وقبل أن يسمعوا طرقات طبل المسحراتي، تغيرت عادات غالبيتهم، وصاروا يفضلون تناول الإفطار أو السحور، أو قضاء الوقت ما بعد الإفطار خارج البيوت في المطاعم أو المقاهي التي تنتشر بالعاصمة وفي جانبيها، الكرخ والرصافة.
رووداو تحدثت مع عوائل ببغداد، منفردين، حول العادات الجديدة التي سادت خلال شهر رمضان الحالي، وأي من الأماكن التي يفضلون السهر فيها بعيداً عن البيت وبما تسمح به أوضاعهم الاقتصادية، فجاء شارع المتنبي وشارع الرشيد وقهوة البيروتي والمقاهي الموزعة في منطقة المحيط على نهر دجلة في الكاظمية وصولاً إلى منطقة الصدرية الشعبية.
نبيل الشمري، أكد بأنه يصحب عائلته ثلاثة أيام أسبوعياً للإفطار أو شرب الشاي مع الحلويات البغدادية خارج البيت، وقال: "نحن، زوجتي وأنا متقاعدان، وقررنا في شهر رمضان الحالي أن نقسم الأسبوع إلى قسمين، ثلاثة أيام نقضيها خارج البيت سواء لتناول طعام الإفطار أو الجلوس في مقهى عائلي، وأحياناً نصطحب بناتنا وأحفادنا، والأيام الباقية نستقبل الأقارب أو نلبي دعواتهم، ذلك أن شهر رمضان يبدو رائعاً مع الأهل والأبناء والأقارب".

وتوضح زوجته جنان عبد، مديرة مدرسة متقاعدة، قائلة: "لقد مللنا البقاء في البيت طوال الأسبوع والبقاء في المطبخ لأهيّئ طعام الإفطار، مع أن ابنتي غالباً ما تساعدني خلال وجودها معنا، لهذا قررنا الخروج من البيت لتناول الإفطار في مطعم (منخل) البغدادي في منطقة السراي وهو بيت بغدادي قديم تم إعادة إعماره، ومن ثم التمشي في شارع الرشيد".
ويرى زوجها نبيل الشمري أن "أسعار هذه المطاعم ليست مكلفة وتناسب ذوي الدخل المتوسط والمحدود، فوجبة الطعام للشخص الواحد تتراوح ما بين 7 إلى 10 آلاف دينار، وهناك مطاعم شعبية ووجباتها لذيذة وأسعارها مناسبة لغالبية العراقيين.. عدا ذلك المهم أن نستمتع خلال سن التقاعد".

شارع المتنبي يتحول مساءً إلى قبلة العوائل العراقية التي تجد في مقاهيه ما يؤنس جلساتها. تقول أحلام عبد الجبار: "نحن مجموعة من الزميلات الموظفات بجامعة بغداد، نخطط باستمرار، خاصة في شهر رمضان، للقاء خارج البيت بعد أن نتناول الإفطار في بيوتنا، وفي الغالب نختار مقهى الشابندر التراثي لشرب الشاي ومن ثم نتمشى في شارع السراي الذي تمت إعادة إعماره وتوزعت فيه المساطب، ونختار مقهى آخر لتناول الحلويات الشعبية وهي كثيرة". مستطردة بقولها: "الأجواء ببغداد حالياً طيبة ودرجات الحرارة تساعد على التمشي والتنزه في أماكن مختلفة من المدينة لكننا نفضل شارع المتنبي لأننا نشعر بأجوائه الثقافية وبالأمان، ولو أن الأمان متوفر في كل بغداد والحمد لله".
في شارع المتنبي أيضاً هناك مقاهٍ بغدادية تجمع الشباب والعوائل مثل مقهى (جراوية)، وليس بعيداً عنه وقرب السراي هناك مقهى القبانجي، تيمناً بقارئ المقام العراقي المشهور محمد القبانجي، حيث اتخذ من مبنى حكومي قديم مكاناً له بعد إعادة إعماره. الشابة إيمان محسن جمعت صديقاتها وزميلاتها اللواتي تخرجن من الكلية تواً لقضاء أمسية غير تقليدية، تقول: "نحن لا نحب المقاهي الحديثة (الكوفي شوب) التي تزدحم بالشباب وبأصوات الموسيقى العالية، وأنا سمعت الكثير عن هذه المقاهي من والدي الذي يهوى سماع الأغاني البغدادية والمقام خاصة". مضيفة: "هذه المقاهي تقدم الحلويات البغدادية التقليدية وقد طلبت من مديرها أن يوفر حلويات أصيلة مثل (الزردة) وحتى (الهريسة) و(الداطلي) وقد وعد بتلبية هذا الطلب خاصة في شهر رمضان المبارك".

في منطقة العطيفية على ضفاف نهر دجلة، بجانب الكرخ من بغداد، يقع واحد من أشهر وأقدم المقاهي البغدادية التي تجتذب العوائل (البيروتي) لتناول الأطعمة والحلويات البغدادية مع الشاي أو القهوة. يقول قاسم القريشي، تاجر عطور: "أنا وزوجتي نأتي لهذا المقهى كل ليلة تقريباً بعد أن نتناول فطورنا مع أولادنا وأحفادنا، وفي أحيان كثيرة نصطحبهم معنا إلى هنا للاسترخاء والدردشة بعيداً عن أجواء البيت، ذلك أن العادات تغيرت ببغداد وفي مدن كثيرة في العراق، ففي أول أيام شهر رمضان كنا بمدينة البصرة وشاهدنا غالبية العوائل تسهر على ضفاف شط العرب، وبالنسبة لي أمضي يومي بالعمل في متجري بسوق الشورجة وأحتاج إلى فترة من الراحة والهدوء ونستغل ليالي رمضان المبارك لننعم بهذه الأوقات".
في الجانب الشعبي تزدحم منطقة الصدرية، وهي من المحلات البغدادية القديمة التي صارت تفتح طوال اليوم. ويؤكد حامد ياسين، قائلاً: "حالياً أنا أسكن في حي دراغ بمنطقة المنصور، لكن بيت جدي كان يقع في هذه الأزقة التي تحيط بسوق الصدرية، وكانت جدتي تأتي للتسوق من الصدرية التي يزدحم سوقها بأنواع الخضر والفواكه واللحوم والألبان، وأنا غالباً ما أصطحب عائلتي، زوجتي وولدي مع أحفادي، لتناول الأكلات البغدادية التقليدية، واليوم وخلال شهر رمضان نأتي لتناول طعام السحور، ونفضل في الغالب القيمر والكاهي والصمون الحجري مع الشاي".



