رووداو ديجيتال
بينما تنشغل القوى السياسية بتشكيل الحكومة الجديدة، يواجه العراقيون واقعاً أكثر إلحاحاً: اقتصاد يتراجع، ومشاريع متوقفة، وضغوط مالية تتسع يوماً بعد يوم. الأرقام الرسمية تُظهر أن الإنفاق يفوق الإيرادات، وأن جزءاً من الاحتياطي الأجنبي بدأ يُستهلك لتغطية الحاجات اليومية، فيما تعمل البلاد من دون موازنة واضحة لعام 2025.
لكن أخطر ما في الأزمة ليس العجز المالي وحده، بل أثره المباشر على المجتمع، خاصة على النساء والأطفال الذين يزداد عددهم داخل دائرة الفقر. في بلد ما زال نصف أطفاله يعاني حرماناً متعدد الأبعاد، ونساءه يواجهن تحديات اقتصادية واجتماعية، يصبح السؤال أكبر من السياسة والاقتصاد: كيف سيؤثر هذا الواقع على مستقبل المجتمع العراقي خلال السنوات المقبلة؟
الخريطة الاقتصادية للعام 2025
توضح البيانات الرسمية من وزارة التخطيط والبنك المركزي أن العراق يدخل عام 2025 بوضع مالي صعب، خاصة مع عدم وجود موازنة جديدة، واضطرار الدولة للصرف وفق قاعدة 1/12 من موازنة السنة الماضية.
وهذه القاعدة، بحسب قانون الإدارة المالية، تعني أن الحكومة تستطيع صرف الحد الأدنى فقط لتسيير الرواتب والخدمات الأساسية، من دون إطلاق أي مشاريع جديدة.
وتشير وزارة التخطيط إلى أن الإنفاق الحكومي ما يزال مرتفعاً، بينما تبقى الإيرادات غير النفطية ضعيفة، مما يجعل اعتماد الدولة على النفط شبه كامل. وفي الوقت نفسه يبيّن تقرير البنك المركزي أن الاحتياطي الأجنبي شهد انخفاضاً خلال عام 2024 بنسبة تقارب 10%، وهو مؤشر على زيادة الضغوط المالية.
وتقول وزارة التخطيط إن هذا الوضع يحتاج إلى موازنة واضحة وخطة مالية مستقرة، خاصة مع قرب إطلاق استراتيجية مكافحة الفقر 2026–2030، التي تعتمد بشكل كبير على توفر تمويل حكومي لتقليل الفقر وتحسين الخدمات.
خريطة الفقر في العراق
وتُظهر الخريطة التي أعلنتها الوزارة تفاوتاً واضحاً بين المحافظات، إذ تحسّنت أوضاع بعض المناطق بشكل كبير مثل المثنى وذي قار ونينوى، هذا التحسن عكس تقدم في الخدمات وبرامج إعادة الإعمار في بعض المناطق، خاصة التي كانت متأثرة بالحروب أو ضعف البنى التحتية إلا أن النسب ما تزال مرتفعة. بينما شهدت محافظات أخرى ارتفاعاً بسيطاً في معدلات الفقر، مثل بابل والأنبار والبصرة. وترجع الوزارة ارتفاع الفقر فيها إلى ضغط السكان، وارتفاع كلف المعيشة، وعدم استقرار فرص العمل.
بيانات وزارة التخطيط العراقية، المستندة إلى المسح الاجتماعي والاقتصادي للأسر نهاية عام 2024، أظهرت أن نسبة الفقر في العراق وصلت إلى 17.5%، بعد أن كانت تتجاوز 25% في السنوات الماضية. وهذا يعني أن الفقر انخفض فعلاً، لكنه ما يزال يضغط على ملايين الأسر في مختلف المحافظاتـ لا سيما الجنوبية.
المرأة بين الأرقام والواقع
الأرقام الدولية تشير إلى أن مشاركة النساء في قوة العمل لا تتجاوز ال 10 - 11%، غير أن الخبيرة الاقتصادية د.إكرام عبد العزيز ترى الصورة على الأرض مختلفة بشكل واضح. فتقول "المرأة موجودة في كل مفاصل الدولة تقريباً، من الوزارات والهيئات إلى الجامعات والمستشفيات، وتمتلك حضوراً فعلياً في القطاع الخاص أيضاً".
وتوضح عبد العزيز أن القانون العراقي لا يميز بين الرجل والمرأة في الأجور والحقوق، وأن الكثير من النساء يشغلن مناصب مهمة في الدوائر الحكومية، من الموظفة الإدارية وحتى موقع المدير العام ووكيل الوزارة. وتضيف: "الأرقام الرسمية لا تحسب كل أشكال العمل، خصوصاً العمل غير الرسمي الذي تقوم به النساء داخل البيوت أو في مشاريع صغيرة، وهذا يجعل الصورة الإحصائية غير مكتملة".
وتشير إلى وجود فجوة حقيقية بين التعليم وسوق العمل، موضحة أن عدداً كبيراً من النساء يعملن خارج مجال تخصصهن بسبب غياب التخطيط، وأن القطاع الخاص يستوعب العاملات حتى في وظائف لا ترتبط بشهاداتهن. وتختم بالقول: "المهم هو أن المرأة تعمل وتؤدي دوراً اقتصادياً، حتى لو لم يظهر ذلك بوضوح في التقارير".
فقر الأطفال أزمة صامتة
تقول الناشطة البيئية والتربوية فرح سالم إن الفقر الذي يعيشه الأطفال في العراق لا يقتصر على نقص الغذاء أو ضعف الدخل، بل يمتد ليصنع أزمة عميقة في التربية والنمو. وتصف الأمر بوضوح: "هذه الأرقام ليست مجرد بيانات… إنها إنذار مبكر لأزمة مستقبلية تمس كل بيت".
وتوضح فرح أن الطفل الذي يعيش حرماناً متعدد الأبعاد يكبر وهو يحمل فجوات معرفية وصحية، تؤثر على قدرته على التعلم والاندماج الاجتماعي. وتضيف: "الفقر يولّد مشكلات مثل العنف والانحراف وفقدان الثقة بالمؤسسات، لأن الطفل يشعر بالعجز والعزلة منذ الصغر".
وعلى الجانب النفسي، تشير إلى أن الأطفال الفقراء غالباً ما يمرون بصدمات متراكمة تظهر في شكل قلق، اكتئاب، اضطرابات سلوكية، وفقدان للدافع، وهي عوامل تضعف مستقبلهم بالكامل. وتقول: "الطفل الذي يتعرض لضغط الفقر يصبح شاباً أقل قدرة على اتخاذ القرار وبناء علاقة صحية والعمل بشكل منتج".
أما اقتصادياً، فترى فرح أن استمرار الفقر يعني خسارة رأس مال بشري كبير، لأن جزءاً من الأطفال يضطر للعمل مبكراً في أعمال غير مؤهلة، ما يقلل إنتاجيتهم ويزيد كلفة الرعاية الاجتماعية على الدولة لاحقاً.
وتختصر الفكرة بعبارة واضحة: "حين يعيش نصف أطفال العراق في حرمان… فنحن نزرع أزمة ستظهر نتائجها بعد سنوات".
كيف يغير الفقر شكل الأسرة والمجتمع؟
توضح الباحثة في سياسات تمكين المرأة زينة القره غولي أن فقر النساء والأطفال لا ينعكس فقط على الدخل، بل يغيّر الحياة داخل البيت والمجتمع بطريقة عميقة. وتقول إن "الفقر يعيد تشكيل الأدوار، ويخلق أنماطاً جديدة في السلوك، ويزيد الضغط على النساء، ويؤثر على مستقبل الأطفال".
وتشير زينة إلى أن كثيراً من النساء يضطررن للعمل في الاقتصاد غير الرسمي، مثل العمل المنزلي أو الأعمال اليومية والبسطات، في ظروف تفتقر إلى الحماية الاجتماعية، بينما يستمر عبء الرعاية عليهن داخل البيت. وتضيف: "هذا النوع من العمل يجعل المرأة محاصرة بين مسؤوليتين، ويقلّل فرصها في التعليم والعمل المستقر".
وتحذر من أن ضيق الحال يدفع بعض الأسر إلى سحب الأطفال من المدارس أو تقليل دوامهم، لإشراكهم في العمل. وتقول إن هذا القرار "يضعف رأس المال البشري ويعيد إنتاج الفقر من جديد". كما تشير إلى أن الزواج المبكر أصبح يُستخدم أحياناً كاستراتيجية لتخفيف العبء الاقتصادي عن الأسرة، وهو ما يؤثر بشكل خاص على البنات.
وتلفت زينة الانتباه إلى ظاهرة الهجرة الداخلية والخارجية بحثاً عن فرص عمل، وما يصاحبها من تفكك شبكات الدعم التقليدية، وتعريض النساء والأطفال لمخاطر الاستغلال. ومع ازدياد الفقر، تتراجع مشاركة النساء في الحياة المجتمعية والسياسية لأن الأسرة تنشغل بتأمين الاحتياجات الأساسية فقط.
وتؤكد أن الفقر يغيّر أيضاً معايير الصحة والتغذية داخل الأسرة، حيث تعتمد العائلات الفقيرة على خيارات غذائية رديئة تؤثر على نمو الأطفال جسدياً ومعرفياً، وتنعكس على قدراتهم المستقبلية.
وتُحذّر من أن استمرار هذا الوضع لخمسة إلى خمسة عشر عاماً سيخلق "حلقة فقر تنتقل من جيل إلى جيل، وتؤدي إلى تراجع التعليم، ارتفاع العنف ضد النساء، وتفكك المجتمع تدريجياً".
وتختصر زينة الفكرة قائلة:"الفقر لا يضرب الجيوب فقط… بل يغيّر شكل الأسرة ومستقبل المجتمع كله".
كوردستان الصورة الأفضل
تكشف بيانات وزارة التخطيط عن صورة مختلفة في إقليم كوردستان. فبحسب آخر مسح اجتماعي واقتصادي أُجري قبل نهاية عام 2024، سجّل الإقليم أدنى معدلات فقر في البلاد، إذ بلغت النسبة في أربيل نحو 7%، وفي دهوك حوالي 8%، وفي السليمانية بين 8.5 و9%، وهي أرقام أقل بكثير من المعدل الوطني البالغ 17.5%.
هذا التراجع يُعزى إلى عدة عوامل، من بينها استمرار الخدمات الأساسية، وتحسّن في التعليم والصحة، وفرص عمل أوسع، إضافة إلى استقرار اقتصادي واجتماعي مقارنة ببقية المحافظات. وتؤكد وزارة التخطيط أن هذه الفوارق مبنية على بيانات دقيقة ظهرت بعد اكتمال التعداد السكاني والمسح الاجتماعي الأخير، ما يتيح وضع سياسات موجهة وفق واقع كل محافظة.
وتشير الوزارة إلى أن إقليم كوردستان شريك أساسي في إعداد الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفقر 2026–2030، التي تهدف إلى خفض الفقر في العراق إلى النصف خلال خمس سنوات، عبر التركيز على تحسين الدخل، السكن، الصحة، التعليم، وتمكين النساء. وشددت على أن السياسات ستُنفذ بالتزامن في كل المحافظات، بما فيها محافظات الإقليم، وبالتعاون مع البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
أزمة تتجاوز الأرقام وتصل إلى مستقبل المجتمع
تبيّن المعطيات الاقتصادية والاجتماعية التي ظهرت خلال هذا التحقيق أن الأزمة في العراق لم تعد مجرد أرقام تتعلق بالعجز المالي أو غياب الموازنة، بل تحولت إلى مشكلة تمس حياة الناس بشكل مباشر، وتحديداً النساء والأطفال الذين يتحملون العبء الأكبر من تراجع الخدمات وتقلّص فرص العمل.
وتُظهر آراء المتخصصات الثلاث أن الفقر لا ينعكس على الدخل فقط، بل يعيد تشكيل الأسرة ويغيّر سلوك الأجيال ويضعف قدرات المجتمع على النهوض. وبينما تسجل بعض المحافظات، وخاصة في إقليم كوردستان، نسباً أقل من الفقر، ما يزال الطريق طويلاً للوصول إلى واقع اقتصادي واجتماعي أكثر استقراراً لجميع العراقيين.
ومع قرب بدء تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفقر للأعوام 2026–2030، تبدو الحاجة ملحّة لخطط واضحة وتمويل مستقر، خصوصاً في القطاعات التي تؤثر مباشرة على حياة الناس مثل التعليم والصحة والسكن وتمكين النساء.
فمستقبل البلاد يعتمد على القدرة على تحسين الظروف المعيشية اليوم، وتثبيت أسس اقتصادية واجتماعية أكثر عدلاً وصلابة للأجيال المقبلة.


.jpg&w=3840&q=75)
