رووداو دیجیتال
رغم أن الأطراف الفائزة في انتخابات مجلس النواب العراقي تنتظر النتائج النهائية للانتخابات والمصادقة عليها من قبل المحكمة الاتحادية العراقية، إلا أنه يُتوقع ظهور جدل ونقاشات طويلة ومستفيضة لتشكيل مجلس الوزراء الجديد، بعد تلك النتائج.
يظهر الخلاف بدرجة أكبر داخل البيت الشيعي، حيث السوداني يطمح لولاية ثانية في رئاسة الحكومة، ويرى خصومه ومنافسوه رأياً آخر.
تحالف الإعمار والتنمية الذي يرأسه السوداني، كان الأول في الانتخابات، لكن عدد مقاعد الفصائل المسلحة وممثليهم زاد أيضاً، ومع أكثر من 50 مقعداً يعدّون أنفسهم "رقماً صعباً" في محادثات تشكيل الحكومة، لذلك يُتوقع أن تستمر المحادثات للتوصل إلى من يقود العراق في المرحلة المقبلة.
ما هو هدف السوداني؟
يروم محمد شياع السوداني استعادة رئاسة الحكومة ويرى أنه يستطيع أن يجعل العراق مستقلاً وألا يكون تحت هيمنة أمريكا وإيران، الدولتان اللتان تتصارعان على النفوذ في العراق منذ أكثر من 20 عاماً، لكن ممثلي الفصائل المسلحة التي تضم أربع فصائل رئيسة (الصادقون، بدر، الخدمات والحقوق)، لديهم 56 مقعداً برلمانياً.
تعزيز مكانة الفصائل في البرلمان يعني حديثهم ومنافستهم على منصب رئيس الوزراء، وهم لا يتفقون مع السوداني في نقاط كثيرة، خاصة في مرحلة ما قبل الانتخابات، حيث طلبت أمريكا من السوداني نزع سلاح الفصائل، والسوداني كما يقول: "وُضعت أمامهم خيارين، إما أن يندمجوا في المؤسسات الأمنية، أو أن ينخرطوا في العمل السياسي".
اختلاف مواقف السوداني وقادة الفصائل حول واجب العراق في المرحلة المقبلة ودورهم في العراق، يجعل مواقفهم تتصادم في محطات كثيرة، وهذا يعني مفاوضات طويلة لعدة أشهر قبل تشكيل الحكومة العراقية الجديدة.
النقطة الأساس وهدف السوداني هو أن يمسك بالوضع من الوسط وألا يجعل من بغداد ضحية العلاقة بأي من هاتين الدولتين (إيران وأمريكا).
عدم وجود أغلبية برلمانية لأي حزب هو نقطة أخرى تؤثر في احتمال إطالة المحادثات بين الأطراف.
تحالف الإعمار والتنمية كان الأول في ثمان محافظات عراقية، بينها بغداد، لكن الفصائل المسلحة أيضاً حصلت على مقاعد وزادت مقاعدها في عدة محافظات، وعلى الرغم من ذلك كما قال المرشح الفائز من قائمة السوداني، بهاء الأعرجي، لشبكة رووداو الإعلامية: "لا يزال السوداني حتى الآن أقوى مرشح لمنصب رئيس الوزراء".
المرحلة المقبلة؛ التوازن والعلاقات مع طهران وواشنطن
تبدأ الدورة السادسة للبرلمان العراقي في وقت سعى فيه العراق بكل الطرق لكي لا ينزلق ولا يتورط في صراعات إيران وأمريكا في الشرق الأوسط، وكذلك الحال مع الوضع في غزة ولبنان، وحكومة العراق المقبلة مهمتها الرئيسة ستكون إدارة علاقة معقدة مع طهران وواشنطن، وستشهد ضغوط ترمب على إيران وتقليل دورها ونفوذها في المنطقة بما في ذلك دعمها ومساندتها للفصائل المسلحة في العراق.
هناك أيضاً مسألة مستقبل الجنود والمستشارين من الجيش الأمريكي في العراق، مثل قوات دول أخرى، هناك اتفاق على ألا تبقى القوات المقاتلة في العام 2026 في العراق، لكن القوات الأمريكية ستبقى في العراق في إطار دور استشاري لتقديم المساعدة اللوجستية والاستخبارية، وكذلك إرسال الدعم للقوات الأمريكية في سوريا، كما قال مسؤولون أمريكيون عند توقيع الاتفاق في العام الماضي.
مارك ساڤايا، المبعوث الأمريكي لشؤون العراق، أعلن رسالة بلاده بعد الانتخابات وقال فيها: "أمريكا ملتزمة بدعم سيادة العراق وجهود الإصلاح وإنهاء التدخل الخارجي والميليشيات المسلحة".
كان عمر السوداني 10 سنوات عندما أُعدم والده من قبل البعث بتهمة الانتماء إلى "حزب محظور"، وكان أحد من دعموا سقوط صدام، واليوم يسعى الرجل البالغ من العمر 55 عاماً لإنقاذ العراق من نفوذ الدول، رغم أن البعض يرون أهدافه صعبة في ظل الوضع العراقي، لكنه مُصر على هدفه.
حقق السوداني في السنوات الثلاث لرئاسته الحكومة، وتوصل على المستوى الخارجي إلى اتفاق بشأن دور القوات الأمريكية في العراق، وكذلك إبعاد العراق عن الصراع وحرب الـ12 يوماً بين إيران وإسرائيل، إضافة إلى بعض الأعمال الداخلية لإنشاء وافتتاح مشاريع.
قال في مقابلة مع وسائل إعلام أمريكية: "الآن هناك أمن، استقرار، وتعايش اجتماعي في العراق".
السؤال الرئيس هو: هل إيران التي أنهكتها إلى حد ما حرب الـ12 يوماً مع إسرائيل، مستعدة للتخلي بسهولة عن نفوذها في العراق؟ وهل أمريكا المنشغلة بأوكرانيا وغزة وفنزويلا، ستنسى العراق ونفوذها فيه؟
بخصوص العلاقات، يصف السوداني إيران بـ"دولة جارة وصاحبة علاقات جيدة"، وبالنسبة لأمريكا يطلب علاقة غير أمنية مع أمريكا، بل علاقة تجارية واقتصادية أكبر من أجل مصلحة العراق وأمريكا.
يقول: "نحرص على علاقة قائمة على أساس الاحترام المتبادل، احترام سيادة العراق والمصلحة المشتركة". تصريحات السوداني هذه جاءت في حوار مع جريدة وول ستريت جورنال.
مع ذلك، ليس تحقيق السوداني لهذا الهدف بالأمر السهل، لأن واشنطن أقرب شريك عسكري للعراق وأكبر مزود للعراق بالسلاح والمعدات العسكرية، ولأمريكا نفوذها في العراق، وقد وضعت عدة فصائل في العراق على قائمة الإرهاب وفرضت عليها عقوبات، لكن إيران أيضاً ليست بلا نفوذ.
يقول الباحث في مركز RUSI البريطاني للدراسات الستراتيجية، تامر البلداوي: "لأن الفصائل المسلحة لا تزال لديها سلطة ونفوذ، لا يمكن لأي حكومة في العراق أن تُبعد نفسها تماماً عن إيران".
في الشهر الماضي، طلب وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، في اتصال مع السوداني نزع سلاح الفصائل، وأعلن السوداني: "إنها أجهزة أمنية تنفذ الأوامر، وليس لها دور في المواقف السياسية".
معظم تلك الفصائل التزم بالصمت في حرب الـ12 يوماً بين إسرائيل وأمريكا، ويرى السوداني أن ذلك تحقق بفضل جهوده ويقول: "حمينا العراق من الانجرار نحو الحرب".
لكن حيدر الشاكري، الباحث في تشاتام هاوس، يقول: "تلك الفصائل لا تزال ذات نفوذ سياسي واقتصادي، والدولة في العراق ليست لديها القدرة الكاملة لنزع سلاحها تماماً".
مع كل تلك الخلافات، يُعد العراق العدة لاختيار رئيس للوزراء، وإذا حُسبت العملية على أنها ستجري بين الإطار التنسيقي الشيعي والسنة والكورد، ستكون عشرات الأحزاب ضمن تلك العملية، والكثير من المحادثات حول من سيحصل على هذا المنصب لن يجري في العلن، والمنصب وفقاً لـ"عُرف عمره 20 عاماً" هو للشيعة، لكن حضور دور ومطالب أمريكا وإيران فيه كان دائماً.
وعلى كل من لديه نية طرح اسم آخر غير السوداني في المنافسة، أن يسعى لتشكيل أكبر كتلة برلمانية، ومن هناك سيظهر الحلفاء والمشاركون والمستبعدون من الحكومة الجديدة، لكن الواضح أن حكومة العراق يجب أن تكون تحالفاً بين عدة أطراف على غرار الحكومات السابقة، ويحصل كل طرف على جزء من كعكة السلطة.



