رووداو ديجيتال
في الوقت الذي يترقّب فيه العراقيون ولادة حكومة جديدة، بعد إعلان المفوضية نتائج الانتخابات، دخلت حكومة محمد شياع السوداني منطقة رمادية تُعرف في الدستور بـ"تصريف الأعمال"، مرحلة قصيرة في النص طويلة في الواقع، تضع السلطة التنفيذية أمام اختبار الالتزام بالدستور والضغوط السياسية معاً.
لا مناقصات ولا عقود
يؤكد القاضي والبرلماني الأسبق وائل عبد اللطيف، أن مصطلح تصريف الأعمال "قديم من قدم الديمقراطيات"، ويعني أن تتوقف الحكومة عن اتخاذ أي قرارات كبرى وتكتفي بإدارة الخدمات اليومية. ويقول "لا مناقصات، لا استثمارات، لا عقود، ولا لعب بالنقد. الوزارة ترفع يدها تماماً عن الأعمال الثقيلة."
ويضيف، توقف البرلمان يعني توقف الرقابة على الحكومة، موضحاً "البرلمان هو السلطة الرقابية على أعمال الوزارة، وإذا توقف البرلمان، تتوقف الوزارة معه عن اتخاذ قرارات لا تدخل في دائرة الأمور اليومية."
حكومة بسلطات محدودة
مدير المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية الدكتور غازي فيصل يقول إن حكومة تصريف الأعمال هي حكومة "بسلطات محدودة لإدارة شؤون الدولة" تبدأ عند بدء مرحلة الانتخابات إلى حين تشكيل الحكومة الجديدة. ويضيف فيصل أن الدستور يمنحها صلاحيات محددة لتسيير الأمور اليومية، لكنها لا تملك حق إبرام اتفاقيات أو اتخاذ قرارات سيادية كبرى.
ويوضح "المفترض أن تكون هذه الفترة قصيرة، لكن في العراق تمتد أحياناً لأشهر بسبب الصفقات والمحاصصة وتقاسم النفوذ بين الأحزاب"، ما يجعل الحكومة المؤقتة تواجه ضغطاً سياسياً بين التزاماتها الدستورية ومتطلبات الواقع.
الحاجة إلى تعديل الدستور
وائل عبد اللطيف، وهو أحد كُتّاب الدستور العراقي، يرى أن النصوص الحالية تحتاج إلى مراجعة بعد أكثر من عشرين عاماً من التجربة، ويقول "اتفقنا على تعديل الدستور بعد مرور أربعة أشهر من انعقاد الدورة الأولى، أي دورة 2006، لكن اللجنة فشلت، واليوم لدينا قوانين معطلة مثل النفط والغاز ومجلس الاتحاد وتوزيع الواردات. هذه القوانين يجب أن تُحسم لتستقيم الدولة." ويرى عبد اللطيف أن التعديلات الدستورية أصبحت من الواجبات المهمة على السياسيين "لأننا الآن امام تراكم خبرة عمرها أكثر من عشرين سنة". ويعتقد أن غياب التعديلات الواضحة هو ما يجعل الجدل يتكرر في كل دورة انتخابية حول معنى "تصريف الأعمال" وحدوده.
رؤية من زاوية القانون الدولي
من جانبه، يؤكد فيصل أن حكومة تصريف الأعمال، رغم محدودية صلاحياتها، تبقى حكومة شرعية طالما التزمت بالدستور ولم تنتهك القانون الدولي. ويقول"القانون الدولي لا يتدخل طالما حكومة تصريف الأعمال لا تنتهك مبادئ ميثاق الأمم المتحدة ولا توقع اتفاقيات ذات طابع عسكري أو استراتيجي."
ويشير إلى أن بإمكانها المشاركة في مؤتمرات إقليمية أو التوقيع على بيانات عامة، لكن من دون الدخول في اتفاقات تلزم الدولة على المدى الطويل. كما يوضح أن الدول والمنظمات الدولية تستمر في التعامل معها "باحترام، لأنها ليست حكومة غير دستورية"، لكنها مطالبة بالحفاظ على استقرار علاقات العراق الخارجية حتى تُسلّم السلطة للحكومة المقبلة.
بين النص والتطبيق
تتفق آراء القاضي وائل عبد اللطيف والدكتور غازي فيصل على أن مفهوم "تصريف الأعمال" في العراق ما يزال بحاجة إلى تطبيق صارم وتوضيح قانوني، خاصة في ظل التعقيد السياسي وتداخل الصلاحيات.
فبين نصٍّ دستوري واضح، وواقعٍ سياسي ضاغط، تبقى الحكومة في اختبار دقيق بين تسيير شؤون الدولة، وعدم تجاوز الحدود التي رسمها الدستور.
ختاماً
مع كل دورة انتخابية جديدة، يعود الجدل ذاته حول معنى "تصريف الأعمال" وحدودها، فما بين حكومة تقيّدها النصوص، وبرلمان متأخر في التشكّل، ومشهد سياسي مثقل بالمحاصصة، يبقى المواطن هو المتأثر الأكبر، فيما تظل الدولة في حالة انتظار طويلة لتجديد مؤسساتها.
مرحلة تصريف الأعمال، كما يراها الخبراء، ليست فراغاً في الحكم، لكنها امتحان للدستور والسياسة معاً ، هي اختبار لقدرة الدولة على تسيير شؤون الناس دون أن تتجاوز حدود القانون.



