رووداو ديجيتال
لم تمر الأنباء المتداولة حول انسحاب أو إعادة تموضع شركة لوك أويل الروسية في العراق مروراً عابراً، فهذه الشركة كانت لاعباً مركزياً في حقل غرب القرنة 2 الذي يُعد من أكبر الحقول العراقية.
وتزامن الحديث عن تراجع دور الشركة الروسية مع سياق دولي ضاغط على موسكو منذ الحرب في أوكرانيا، إذ تشير تحليلات متخصصة إلى أن العقوبات الأميركية على قطاع الطاقة الروسي أثرت على قدرة لوك أويل في تمويل مشاريعها الخارجية وتسوية المدفوعات المرتبطة بها، والعراق ليس استثناء في هذه المعادلة.
في السياق نفسه، أكدت تقارير أن العقوبات الغربية عطّلت جزءاً من عمليات لوك أويل الدولية، وأثمر ذلك تعقيداً في سلاسل الإمداد والتسويات المالية. كما نقلت مصادر في قطاع النفط العراقي أن سومو ألغت تحميلات نفطية تخص شركة لوك أويل نتيجة مخاوف تتعلق بالعقوبات الأميركية.
هذا يعني أن الحديث عن فراغ روسي ليس تفصيلاً صغيراً، بل هو مرتبط ببنية الطاقة نفسها، أي القدرة على إخراج النفط وتصديره ومواصلة التطوير، وليس فقط رفع الإنتاج اليومي.
حتى الآن، لا يوجد بيان رسمي من وزارة النفط العراقية أو من الشركة ذاتها يعلن انسحاباً كاملاً. وهذا ما يؤكده الخبير النفطي "حيدر البطاط" الذي يقول إن ما حصل تعليق مؤقت لبعض الشحنات، وليس إنهاءاً للعقد، مضيفاً أن مشروع غرب القرنة – 2
مازال سارياً. ويرى البطاط أن المشهد قد يقود إلى إعادة تموضع استثماري، بحيث يُملأ أي فراغ محتمل عبر الجهد الوطني العراقي أو عبر دخول شركات أميركية من جديد إلى حقول الجنوب.
في المقابل، ينظر الخبير الاقتصادي وضّاح الطه للصورة من زاوية بنيوية أخرى، فهو يرى أن العقوبات يمكن أن تُفسّر ضمن بند القوة القاهرة في العقود، أي أن تعليق الشحنات ليس خرقاً للعقد وإنما هو توقف مؤقت له غطاء قانوني. لكن الطه يلفت إلى نقطة محورية، التأخر في التطوير يعني التأخر في زيادة الإنتاج، وهذا يمس المستقبل لا الحاضر. لأن إنتاج العراق الحالي مرتبط باتفاقات أوبك وأوبك بلس، وهذا يعني أن التأثير المباشر على صادرات العراق اليوم محدود، لكن التأثير على قدرة العراق المستقبلية على التوسع هو العامل الذي يجب أن يُقرأ بجدية.
السؤال المركزي الذي يطرحه الخبراء اليوم: هل نحن أمام خريطة جديدة للاستثمار؟
وفق قراءة البطاط: قد تكون الخيارات عراقية أو أميركية عبر عودة شركات للخليج الجنوبي.
بينما يضع الطه احتمال بديل متفق عليه بالتراضي بين لوك أويل والجانب العراقي، وهو ما يمكن أن يحدث بدون صدام تعاقدي إذا اُعتُمد تفسير القوة القاهرة.
نقطة الالتقاء بين الخبيرين واضحة في أمر واحد: ما يجري اليوم لا يعني انهياراً في الإنتاج، بل تأخيراً في التطوير.
وهنا تكمن الدلالة الأعمق. لأن العراق لا يخسر اليوم 100 ألف برميل يومياً، بل قد يخسر قدرة مستقبلية على رفع سقف الإنتاج.
سؤال جوهري آخر: طرحته رووداو على الخبيرين، هل يفقد العراق خروج شركة بهذه الخبرة عنصر نقل المعرفة؟
في هذه النقطة،هناك فارق مهم بين رؤيتي البطاط والطه، رغم وجود منطقة اشتراك.
البطاط يميل إلى أن المسألة تتعلق بالتموضع وليس مغادرة، وبالتالي الخسارة المعرفية لو حدثت ستكون محتملة لاحقاً.
الطه يقدم ذاكرة تاريخية مغايرة، فقد سبق للعراق في الثمانينات أن حفر آباراً تطويرية بكادر وطني بكفاءة أعلى وأرخص من شركات أجنبية، وبالتالي يرى أن العراق قادر على إعادة بناء قاعدة وطنية تقنية عند توفر قرار وإرادة وتخطيط.
الخسارة المعرفية ليست قدراً حتمياً، لكنها تصبح محتملة إذا طال التوقف ولم يظهر بديل فعّال.
ما يجري ليس انسحاباً مؤكداً، بل تحولاً قيد القراءة، لكن هذا التحول، في زمن العقوبات الأميركية على روسيا ، لا يمكن النظر إليه كخبر تقني.
إنه اختبار لثلاثة ملفات في آن واحد: مستقبل الشركات الأجنبية في الجنوب العراقي، قدرة العراق على بناء جهد وطني نفطي من جديد وليس آخرا التعامل الاقتصادي الذكي مع الجغرافيا السياسية للطاقة.
وبناءً على إجماع القرارات الفنية والاقتصادية، فإن مايجري اليوم لا يمثل انسحابا مؤكدا للشركة الروسية من العراق، بقدر ماهو حالة توقف مرتبطة بالعقوبات الأميركية على قطاع الطاقة الروسي، انعكست على الجانب اللوجستي والتمويلي. وفي جوهر الصورة يتفق الخبير النفطي حيدر البطاط والخبير الاقتصادي وضّاح الطه على أن التأثير المباشرعلى إنتاج العراق الحالي محدود، وأن نقطة الحساسية الحقيقية تكمن في ملف التطور المستقبلي، كما يتقاطع رأياهما عند نتيجة واحدة واضحة ، وهي أن العراق قادر على امتصاص هذا النوع من التوقفات عبر أدواته الوطنية أو من خلال إيجاد خيارات تعاقدية بديلة يجري التفاهم عليها، وعليه فإن مستقبل الحقول العملاقة في الجنوب العراقي لن يتعطل بفعل هذا الظرف، بل سيعاد تنظيمه وفق مسار جديد يتناسب مع المعطيات الدولية الراهنة.



