رووداو ديجيتال
أثار قرار الحكومة العراقية بإيقاف استيراد البنزين والغاز أويل والكيروسين اهتماماً واسعاً في الأسواق العالمية، لا سيما بعد أن أبلغت وزارة النفط الجهات التجارية بوقف استيراد هذه المشتقات.
هذا الإعلان لا يُعدّ إجراءً تشغيلياً عابراً، بل يمثل تحوّلاً في معادلة الطاقة داخل البلاد، لأن الحديث هنا ليس عن تصدير النفط الخام، بل عن منتجات مكررة كان العراق يستورد جزءاً أساسياً منها.
القرار قد يعني أن الطاقة الإنتاجية في المصافي العراقية ارتفعت إلى مستوى يغطي الطلب المحلي، لكنه قد يرتبط أيضاً بجانب آخر لا يقل تأثيراً وهو "العقوبات الدولية". ففي هذا الشهر تشرين الثاني، أوقفت شركة تسويق النفط العراقية (SOMO) تحميل ثلاث شحنات خاصة بشركة "لوك أويل" الروسية نتيجة القيود المفروضة على الشركات المرتبطة بالسوق الروسية. بذلك، يتقاطع الملف الاقتصادي مع ملف جيوسياسي، حيث تفرض السياسة العالمية إيقاعاً جديداً على سلاسل الإمداد النفطية المتصلة بالعراق.
مستويات تطور المسارات
يجدر التمييز هنا بين مستويين من التطورات، حتى لا يُدمج الحدثان في سياق واحد: فقرار إيقاف الاستيراد الذي صدر كمسار عام يخص سياسة الإمداد الداخلي للبنزين والمشتقات، أما الثاني فهو إيقاف شحنات مرتبطة بشركة "لوك أويل" الروسية، وهو إجراء منفصل تحكمه ظروف العقوبات الدولية وليس جزءاً من قرار الإيقاف العام. وبالتالي، فالحالة الأولى تعبّر عن مسار اكتفاء أو اقتراب من الاكتفاء، فيما تعبّر الحالة الثانية عن أثر تجاري مباشر للعقوبات على بعض الجهات المحددة في السوق.
وكان المتحدث باسم وزارة النفط العراقية عبد الصاحب الحسناوي قد أكد لشبكة رووداو في وقت سابق من شهر تشرين الأول الماضي أن العراق سيعلن وصوله إلى مستوى الاكتفاء الذاتي من المنتجات النفطية للاستهلاك المحلي قريبا، مشيراّ إلى إن هذه الخطوة "مهمة ومن نتائجها سيتم إيقاف استيراد البنزين، "وسنقوم بإنتاج البنزين عالي الأوكتان والعادي بأنفسنا".
وأشار المتحدث باسم وزارة النفط العراقية إلى أن الوصول إلى هذه المرحلة سيمكنهم من "البدء في تصدير البنزين إلى الخارج". مؤكدا أن مصافي البصرة هي من بين المصافي التي ارتفع فيها الإنتاج بشكل كبير.
ومع أن الجهات المختصة لم تكشف بصورة تفصيلية عن أرقام الطاقة التكريرية الحالية، فإن المؤشرات التي تتابعها السوق الإقليمية تشير إلى تحسّن نسبي في القدرة على تلبية الاستهلاك الداخلي من البنزين، ما يعيد طرح سؤال أساسي: هل يمهّد هذا القرار لمسار أكثر استقلالاً في قطاع المشتقات؟
وفي حال ثبُت هذا التحوّل واستمر، فسيعني ذلك "نظرياً" أن العراق يمكن أن يدخل مرحلة الاستقرار الداخلي في سوق المنتجات، وهو ما قد يُترجَم لاحقاً إلى فائض قابل للتصدير، أو على الأقل تراجع الحاجة للإنفاق على الفجوات الطارئة في الوقود.
لكن أمام هذه القراءة التفاؤلية، يبرز سؤال آخر لم يجب عنه القرار بعد:
هل هذا التحول ناتج عن تعافٍ فعلي للطاقة التكريرية؟. أم نتيجة اضطرار فرضته العقوبات على الشركات التي يتعامل معها العراق في سوق المنتجات؟
الإجابة ستتضح مع البيانات التي ستصدر في الأسابيع المقبلة من وزارة النفط، ومع طبيعة العقود الجديدة التي سيجري توقيعها مع المورّدين أو مع المصافي المحلية. وفي جميع الأحوال، يبقى هذا الإعلان نقطة مفصلية لسبب واحد، ذلك أنه أول ملف منذ سنوات تتغير فيه معادلة "الاستيراد" لصالح "لاكتفاء"، ولو جزئياً، في قطاع لطالما ارتبط بإنفاق واسع، وبعجز لوجستي مزمن في توازن العرض والطلب داخل السوق العراقية.
التحول نحو الاكتفاء الذاتي
في عام 2022: كان الاعتماد الأكبر على الاستيراد الخارجي لتغطية فجوات البنزين والكيروسين. لكن مبادرات رفع طاقة التكرير في البلاد بدأت مع دخول عام 2023. في سنة 2024 حصل انخفاض تدريجي في حجم عقود الشراء الخارجي للمشتقات النفطية، وجاء قرار الإيقاف الكامل لاستيراد البنزين والمشتقات الأساسية في الربع الأخير من العام الجاري 2025 ليؤطر تحركات السنوات السابقة.تجدر الإشار إلى أن (SOMO) لم تنشر بيانات رسمية سنوية لكن الإحصائية تمثل اتجاه عاماً مبنياً على تقارير" MEES" ومتابعة السوق الإقليمية.


