رووداو ديجيتال
نأت الفنانات العراقيات الأكاديميات المعروفات بأنفسهن عن الترشيح للبرلمان العراقي وعن العمل السياسي بصورة مباشرة، مع أن أعمالهن المسرحية تتصدى بجرأة وشجاعة لهموم الناس وتدافع عنهم عبر رسائل إبداعية تتفوق كثيراً على ما قدّمه أو يقدّمه أي سياسي، سواء كان برلمانياً أو مسؤولاً حكومياً.
رووداو اختارت أربع فنانات مسرحيات أكاديميات معروفات في الأوساط الفنية والثقافية والجامعية، وتحدثت معهن على انفراد حول نقاط رئيسية تتعلق بالانتخابات العراقية، وهي: سبب عدم الترشيح لمجلس النواب، مع أنهن يتمتعن بشهرة جماهيرية واسعة، ورأيهن بالدعايات الانتخابية الرائجة، وماذا قدّم البرلمان العراقي حسب اعتقادهن، وما الرسالة التي توجهها كل واحدة منهن إلى المرشحين الجدد. وكانت هذه الآراء:
عواطف نعيم: حريصة على حضوري ومصداقيتي
الناقدة والمخرجة والكاتبة المسرحية الأكاديمية عواطف نعيم، كتبت وأخرجت العديد من الأعمال المسرحية كما لعبت أدواراً مهمة على المسرح وفي السينما والتلفزيون العراقي والعربي، أجزلت بقولها: "لم أفكر يوماً بالترشح للبرلمان، لأن مهنتي كفنانة هي مسؤولية صعبة وضرورية على المستوى الاجتماعي والمهني في التثقيف والتنوير والتوعية من خلال الفنون الدرامية. ولأني لم أجد في البرلمان العراقي من رشّح كي يخدم الشعب فعلياً بما يعزز كرامة المواطن العراقي ويحقق له العيش الآمن والمواطنة الصادقة، ومن يسعى ليكون المواطن العراقي له الأولوية في القوانين والمنجزات وحركة الإعمار والبناء والتطوير. ولم أجد من يدافع عن حقوق الإنسان العراقي ويتصدى للفساد والبيروقراطية والمنافعية إلا ما ندر، ولأني حريصة على حضوري ومصداقيتي لدى الجمهور العراقي نأيت بنفسي عن المشاركة في مثل هذه الفعاليات السياسية التي لم تضف إلى العراقيين إلا المزيد من الوجع والشكوى والتراجع".
وأضافت: "رسالتي للمرشحين الجدد أن يكونوا أوفياء لوطنهم وشعبهم، وأن يكون العراق أولاً لديهم، وأن يرفضوا التبعية والتحزّب والفساد، وأن يحترموا حقوق المواطنة والقوانين التي لا تسلب المرأة حقوقها، وأن يكونوا عند وعودهم".
ووصفت الفنانة عواطف نعيم الدعايات الانتخابية بأنها "دعوات باذخة وصرفيات خطيرة تدعو للقلق، وكأن الهدف من الترشح للانتخابات هو المنفعة والربح وتعويض النفقات المبذولة في الدعاية والإعلان، وليس خدمة الوطن والمواطنين. من أين لبعض هؤلاء المرشحين كل هذه الأموال ليبذخوا بهذا الشكل؟ أنا أسأل، وهذا من حقي".
ونبّهت إلى أن "قلة معدودة من البرلمانيين قدّموا خدمات لعدد محدود من المواطنين، أما على مستوى القوانين والتشريعات التي تصبّ في خدمة المجتمع العراقي فهي محدودة. بل على العكس، هناك قوانين شُرّعت وكانت ضارة وغير منصفة بحق المرأة العراقية مثل التعديل في قانون الأحوال الشخصية، وأنا عندما أبدي الرأي فهو حقي الذي كفله لي الدستور وفق المادة 38".

شذى سالم: لا أريد أن أخسر ثقة الناس
الممثلة الأشهر في المسرح والسينما والدراما العراقية والعربية، والشخصيات التي لعبتها باقية في ذاكرة الجمهور، شذى سالم، عميدة كلية الفنون الجميلة في جامعة دجلة، تعتبر أن "البرلمان العراقي حلقة زائدة"، وقالت: "لم أفكر أبداً بالترشح لمجلس النواب العراقي، لأنني وبصراحة لم أجد ما يجذب ويتحقق للعراقيين من خلاله. وأنا كشخصية وفنانة معروفة لا أريد أن أخسر ثقة الناس، ولأني لا أستطيع أن أحقق الكثير من الأمور لصالح الناس من خلال ترشحي أو إذا كنت في البرلمان، وهذا افتراض مستحيل أن يتحقق. وحتى لو كانت لدي القدرة على أن أفعل شيئاً، فهناك من سيعرقل خططي ويحول دون تقديمي لأي منجز. أضيف إلى ذلك عدم ثقة الشعب بالبرلمان بعد كل هذه السنوات، حيث لم يقدم أي إنجازات وأصبح زائداً عن الحاجة بصراحة، وهذه هي آراء الناس، فأنا ألتقي بعدد كبير من الجمهور الذين يؤكدون أن البرلمان لم يرتقِ إلى ثقتهم، ولا يعمل على التخفيف من معاناتهم".
ونبّهت الفنانة شذى سالم إلى أن "الكثير من المرشحين يعدون الشعب ببرامج، وعندما يصلون إلى البرلمان تذهب وعودهم هباءً، وللأسف تضيع أحلام الناخبين وتخيب آمالهم ويشعرون بالأسف لضياع أصواتهم. لهذا السبب أشعر بأن البرلمان حلقة زائدة، ولهذا السبب لم ولن أفكر على الإطلاق بالترشح للبرلمان".
وحول الرسالة التي توجهها للمرشحين الجدد، تساءلت: "أية رسالة ممكن أن أبعثها إلى المرشحين؟ المفروض أن المرشح هو من يأتي برسالة أو رسائل، وليس أن يبعث له الشعب برسائل. يجب أن يكون لديه برنامج انتخابي وأهداف يعمل على تحقيقها، لكن كل ما يقوله هو دعاية عالية وكلام لن يتحقق. لهذا ليست لدي رسالة، وعلى المرشحين أن يفعلوا ويقدموا إنجازات لصالح الشعب".
ووصفت الفنانة شذى سالم "الدعايات الانتخابية بالمرعبة"، مضيفة: "لقد شوهت شكل الشوارع والحدائق وحوّلت المدينة إلى كيان قبيح. تلتفت يميناً أو يساراً فتحاصرك الصور الكبيرة التي شكّلت حاجزاً بيننا وبين الطبيعة. لم أشاهد أي مرشح اتبع طريقة حديثة ومبتكرة للإعلان عن نفسه وبرنامجه، إلا هذه الطرق التقليدية والقبيحة. بعض الصور خربها الناس، وهذا حقهم لأنها تضغط على حياتهم اليومية حيث احتلت المجسرات والحدائق والأرصفة".
ونوّهت إلى أن "المرشح إذا كان يريد مصلحة الناس فعلاً، فيجب أن لا يخرب حياتهم بهذه الطريقة. كان يجب تحديد مواقع معينة للإعلان عن المرشحين وليس بهذه الأساليب العشوائية المتخلفة والمشوهة لمدينة بغداد، للأسف. وأنا أستغرب أن المفوضية العليا للانتخابات وأمانة بغداد لم تتخذا أية إجراءات إزاء هذه الممارسات".
وخلصت إلى أن "البرلمانيين لم ولن يقدموا أي شيء، هذا رأيي وآراء غالبية العراقيين. أنا كمواطنة عراقية، وليس كفنانة وشخصية معروفة، لم ألمس أية إنجازات للبرلمان لصالح الناس، والدليل أن الدورة الأخيرة فشلت مراراً في عقد جلسات مكتملة النصاب، وهذه خيبة أمل كبيرة للعراقيين".
آلاء نجم: مهمة الفن أرقى بكثير من العمل السياسي
الفنانة الأكاديمية التي عُرفت بأدوارها المتميزة في المسرح والسينما والتلفزيون، آلاء نجم، رسخت مكانتها في الذاكرة الصورية للمتلقين من خلال أدوارها المؤثرة والمتميزة، أجزلت بردها حول الترشيح للبرلمان: "بالتأكيد لا. لن أفكر بالترشيح للبرلمان لأن وجودي في الوسط الفني أرقى بكثير من وجودي في السياسة. رحم الله من أبعد الشبهات عن نفسه، ولا يمكن أن أضع نفسي في محل الشبهات، لأن السيرة السياسية العراقية حتى الآن تؤكد أن الكل متهم بالفساد، وهذا ضمن معطيات ما يعرضه الإعلام والقنوات الفضائية، وأحياناً تستشف هذا من الحوارات أو اللقاءات التلفزيونية للمرشحين، وهذا يصيبني كمواطنة بالإحباط. ومنطقهم لا يرتقي للعملية السياسية، وشاهدنا صفقات الفساد في العراق، لهذا لا يمكن أن أضع نفسي في محل الشبهات. بالتالي هذا ليس مجالي ولن أكون ضليعة به، بالرغم من أن كل العراقيين اليوم هم سياسيون لأننا مررنا وعشنا الكثير من الأحداث المؤثرة. لهذا أنا لم ولن أفكر في يوم ما أن أرشّح للانتخابات، ورحم الله من جبّ الغيبة عن نفسه".
وأضافت: "المرشحون اليوم وحتى من سبقهم يفتقرون إلى المنطق واللياقة واللباقة في الحديث. تجد المرشح يتكلم كثيراً، يسألونه عن موضوع ويجيب عن موضوع آخر لأنه يريد أن يسقط وينكّل بمنافسيه. السياسة ليست مكاني، وأنا أفضل راحة بالي، وأن أعطي جهدي الإبداعي للفن ولجمهوري على كل مغريات الحياة. الحمد لله أنا في الوسط الفني وأمارس ما تعلمته بكل حب وإخلاص ونزاهة".
الفنانة آلاء نجم نبّهت إلى أن "الفنان الحقيقي لا يمكن أن يكون في العملية السياسية، لأنه صوت الشعب. وعندما يكون في العملية السياسية سيكون خائناً لهذا الصوت، بينما عندما يمارس مهنته بإخلاص ومبدئية سيوصل صوت الناس وهمومهم وطلباتهم للسياسيين، ويكون هو الواجهة المضيئة للشعب. وإذا رشّح للانتخابات انتفت مهمته، ولن يكون صوتاً للشعب، وهذا خلل كبير".
وطلبت من المرشحين "الضمير الحي"، وقالت لهم: "اتقوا الله في شعب تعب كثيراً منكم وبسببكم، وأتمنى أن تكون هناك برامج انتخابية وقرارات مدروسة لصالح الشعب وتحسّن من أوضاعه. شبعنا محسوبية ومنسوبية التي صارت من أولوياتكم. كونوا من الشعب وإلى الشعب، والفلوس والمنافع ليست كل شيء. هناك السمعة والتاريخ والمبادئ، فاجعلوا تاريخكم وسمعتكم نظيفة ومبادئكم سليمة، والله يوفق كل مرشح نزيه ووطني محترم وفاهم للعملية السياسية ويفضل مصلحة الشعب على مصالحه ومصالح حزبه".
وترى الفنانة آلاء نجم أن "الدعايات الانتخابية مقرفة جداً. أنا أفضل الدعايات الإلكترونية (الشاشات الواسعة) لعرض برامج وأهداف المرشحين لبعض الوقت، ساعتين أو ثلاث ساعات يومياً وليس دائماً، لأن ما معروض اليوم تشويه ومضايقة للناس. لم يتركوا جزرة وسطية ولا أي رصيف. استبدلوا الأشجار والورود بصور متشابهة وشعارات مكررة وألوان مستخدمة بلا دراسة أو ذوق وغير مريحة للعين. هناك أحجام صور مبالغ بها جداً، وحسب الإمكانيات المالية للمرشح، وبعض الدعايات تحمل شعارات عنصرية وطائفية، وليست ذكية، وكاذبة، ولا تجذب الناخب، بل على العكس تبعده. الشعب ذكي وواعٍ ويعرف هذه الأكاذيب. لا أعرف كيف يضع مرشح شعار (من أجل بغداد أجمل) وهو يحوّلها بدعاياته إلى (بغداد أقبح). أنا شخصياً لا أؤمن بمرشح يضع صوره في كل مكان ويشوه الأرصفة والواجهات وتحاصرنا في كل مكان إلى حد الشعور بالاختناق. أما في برامجهم التلفزيونية فيتبادلون الكلمات النابية والعراك".
وخلصت إلى أن "البرلمانيين لم يقدموا أي شيء للشعب، على عكس الحكومة التي قدّمت، وهذا واجبها، ولا تستحق التصفيق أو المديح أو التهليل، لأن هذا واجبها وليس فضلاً منها".
آلاء حسين: العمل الفني هو الأهم بالنسبة لي
لا نستطيع أن نصف الأكاديمية آلاء حسين بالفنانة وحسب، فهي ممثلة متميزة بموهبتها وثقافتها ومتعددة الأساليب في أدائها للأدوار الصعبة التي تختارها بدقة، سواء كانت التراجيدية منها أو الكوميدية، إن كانت على خشبة المسرح أو من خلال شاشة التلفزيون والسينما، بإبداع. كما أنها قدمت برامج تلفزيونية ناجحة على المستوى العربي.
سبق أن كشفت آلاء حسين قائلة: "في الدورات الانتخابية السابقة طلبت مني ثلاثة أحزاب كبيرة الترشيح ضمن قوائمها للبرلمان، ورفضت، لأني أؤمن بأن البلد بحاجة إلى وجوه جديدة تنقله نحو الأفضل بدلاً من تلك الموجودة التي لم تقدم أية فائدة للبلد وللشعب. ثم إنني فنانة، وموقعي في الفن، سواء على خشبة المسرح أو أمام عدسات الكاميرات، أهم بكثير من وجودي في العمل السياسي المباشر. مهمة الفنان والفن أكبر من مهمة السياسي، وأنا أحب مهنتي وعملي وما أقدمه ودراستي العليا، وهذا الذي يشغلني حالياً. أنا انتميت للفن ودرسته وأعيش في فضائه".
وشددت على أن "كل العراقيين يتمنون من المرشحين أن يكونوا حريصين على البلد بإخلاص، وأن تكون أياديهم وقلوبهم نظيفة، ويقدموا إنجازات للعراق والعراقيين، هذا ما نتمناه، وبالذات من المرشحين المستقلين، وإن شاء الله خير، والتقدم يتضح تدريجياً ولو ببطء عبر السنوات".
واعتبرت الفنانة آلاء حسين "الدعايات الانتخابية مجرد شعارات مكررة ومستهلكة، وهي غير مهمة أمام أن تكون حقيقية عملية ملموسة. وإن شاء الله الناس الحريصة هي التي تتولى أمور البلد".
ونبّهت إلى أن "بعض الكتل والأحزاب يعتمدون في غالب الأحيان على عشائرهم، والتجربة الديمقراطية لا تكون معافاة ما لم يكن هناك تغيير بالتقادم".



