رووداو ديجيتال
تنطلق اليوم في مدينة أربيل فعاليات المنتدى السنوي لمعهد الشرق الأوسط للبحوث (ميري)، بمشاركة عشرات القادة والدبلوماسيين والأكاديميين وكبار صناع القرار من العراق وإقليم كوردستان والعالم. ويستمر المنتدى على مدى يومين.
يتزامن منتدى ميري هذا العام مع اقتراب موعد انتخابات مجلس النواب العراقي، والاتفاق الجديد بين حماس وإسرائيل، والانتخابات السورية المثيرة للجدل، والتوترات في حلب، وخطوات عملية السلام في تركيا، واستمرار العقوبات على إيران. وفي خضم هذا المناخ السياسي، يهدف معهد ميري إلى توفير "أجواء بنّاءة للحوار وصياغة الأفكار"، بهدف تقديم مقترحات عملية لصناع القرار لتحقيق استقرار طويل الأمد في الشرق الأوسط.
لتسليط الضوء على تفاصيل المنتدى وأهدافه، صرح الدكتور دلاور علاء الدين، رئيس معهد ميري، في مقابلة مع برنامج (يوم هيوا جمال) عبر شبكة رووداو، بأن تنظيم منتدى ميري وجمع كل هؤلاء القادة يعد "مهمة شاقة".
قال رئيس معهد ميري: "لن نسمح باستخدام منتدى ميري للدعاية الانتخابية"، مضيفاً: "ستكون حلقاتنا النقاشية أساساً لبناء الدولة وإعادة هيكلتها في العراق".
نص مقابلة رووداو مع د. دلاور علاء الدين، رئيس معهد الشرق الأوسط للبحوث
رووداو: كعادتكم، تظهرون بوجه بشوش، وقد أتيتم اليوم بالبشاشة نفسها. آمل أن تكون هذه السعادة دليلاً على اكتمال استعداداتكم وانطلاق المنتدى ونجاح ميري في تحقيق أهدافه.
د. دلاور علاء الدين: شكراً جزيلاً. أعتقد أن تنظيم مثل هذا المنتدى هو عمل شاق جداً، وجمع كل هؤلاء الأشخاص المعنيين في قاعة واحدة لإجراء حوار صريح حول هذه الأوضاع المعقدة ليس بالأمر السهل. هذا الجهد يؤتي ثماره عندما نرى أنه يحقق نتائج إيجابية. ومن دواعي سروري أن عدداً كبيراً من الناس يطلبون المشاركة والحضور والتحدث فيه، وهذا كله دليل على أن منتدى ميري قد أثبت مكانته وله تأثير في الرأي العام وفي النخبة السياسية وصناع القرار أيضاً.
رووداو: صار منتدى ميري تقليداً سنوياً يُعقد في موعده كل عام، ولكن مع تراكم خبراتكم في هذا المجال، يتوقع الناس أيضاً رؤية اختلاف من عام إلى آخر. وبالتأكيد أنتم تسعون إلى ذلك، فهل يمكنكم إخبار مشاهدينا ما هو الفارق هذا العام مقارنة بالأعوام السابقة؟
د. دلاور علاء الدين: تكمن الأهمية أولاً في أن المحتوى والمحاور والنقاشات تعكس الظروف التي واجهناها في العام الماضي. كما أن مستقبل الإقليم والعراق والمنطقة بحاجة إلى خارطة طريق ورؤية واضحة وتحديد وتعريف للمسارات. في منتدى كهذا، يكون التركيز على تقديم رؤية واضحة للناس، فيما يتعلق بتحليل الأحداث التي وقعت في العام الماضي وما هو قادم في المستقبل. وعاماً بعد عام، يشارك عدد أكبر بكثير من أصحاب الرأي على مستوى صناع القرار والباحثين والمفكرين. كما تعكس برامجنا هذا التاريخ والمستقبل مع هؤلاء الأشخاص ومحتوى نقاشاتنا.
رووداو: مع أنكم بطريقة ما، مثل رووداو، لا منافس لكم في هذا المجال، فعندما بدأتم، لم يكن هذا النمط من النقاشات والمنتديات شائعاً في كوردستان. وبعدكم، ظهرت نماذج أخرى وبدأ الناس بتنظيم فعاليات مشابهة، كلٌّ بأسلوبه. لكن تحقيق النتائج هنا مختلف. سؤالي يتعلق بما ذكرتموه بأن بعض الأشخاص يطلبون المشاركة بأنفسهم؛ كيف تتم عملية اختيار المتحدثين والضيوف؟ على أي أساس تقررون من يتحدث، ومن تحدث سابقاً، ومن لن يتحدث هذه المرة؟
د. دلاور علاء الدين: بلا شك، إن الإطار الأول الذي يُرسم، يجب أن تكون النقاشات في مضمونه قضايا الساعة. وأن يكون لها تأثير في حياة الناس، والسوق، والمصالحة، وتحسين الوضع، بأسلوب يقلل من الصراع. عندما تضع هذه المشاكل والأزمات أمامك وتحدد أولوياتك، فإنك تدعو المتحدثين والضيوف بناءً على الحاجة وتلك الأولويات. لا يليق أن يكون العالم في وضع سيء أو حساس وأنت تتحدث عن شيء آخر لا علاقة له بالأمر. نحن أيضاً نستهدف أولئك المتحدثين من السياسيين وصناع القرار والمفكرين والباحثين الذين بإمكانهم تقديم تلك الرؤية الواضحة للناس، وتوضيح الأمور لنا، وخلق حوار، والأهم من ذلك، تقديم مقترحات للسياسات إلى صناع القرار، لتحديد مسار المستقبل ولكي تكون قراراتهم مبنية على الأدلة. لذا، يجب أن نجد الخبراء في تلك المجالات المختلفة وندعوهم. وإلى جانبهم، هناك بعض صناع القرار الذين لهم تأثير في حياتنا ويجب أن ندعوهم سنوياً.
رووداو: هل حدث أن رَفض أحد دعوتكم؟
د. دلاور علاء الدين: معظم الذين لا يأتون، لا تسنح لهم الفرصة. نادراً ما أستطيع القول إنهم يرفضونها لأنهم لا يريدون الحضور. ولكن للناس مشاغلهم، قد تجده في سفر أو منشغلاً بأولوياته. ربما يكون قد وافق في البداية، ولكن مع اقتراب الموعد، لا تسنح له الفرصة. وهذا أمر طبيعي ويحدث في الحياة اليومية لنا جميعاً. ولكن بشكل عام، معظم من تتم دعوتهم، إذا تمكنوا، يأتون ويشاركون، لأنه من المهم بالنسبة إليهم أن يواجهوا الجمهور لكي يفهموا وجهات نظرهم وسياساتهم وبياناتهم، ولكي يوضحوا الأمور للناس أيضاً. فبقدر ما نريد نحن إيصال رسائلهم، هم أنفسهم يريدون إيصال تلك الرسائل إلى الناس. وبقدر ما يريدون هم أيضاً أن يتعلموا، وأن يفهموا أن هناك رأياً مقابلاً، وأدلة مختلفة لكي تمنحهم رؤية أوضح ويعرفوا ما إذا كانت سياستهم بحاجة إلى تغيير أم لا. عند هذا المستوى، تتقاطع مصالحنا.
رووداو: لفت انتباهي أن أحد المحاور بعنوان "العراق للجميع". هل العراق الآن ليس للجميع؟
د. دلاور علاء الدين: لو كان العراق للجميع، لما أصبح الأمر قضية للنقاش. لقد مر أكثر من 100 عام على تأسيس العراق، وفي أي ظرف من الظروف لم تشعر جميع مكونات هذا العراق بانتمائها الحقيقي إليه. في فترة من الفترات، هُمِّش الشيعة بالكامل في العراق، ثم واجه الكورد الإبادة الجماعية. إن تعويض ذلك الماضي وبناء عملية وطنية، بطريقة يعتبر فيها الجميع هذا البلد وطناً لهم، هي عملية طويلة الأمد وغاية في التعقيد. لا يقتصر الأمر على القول "تعال وصوّت"، أو "لديك منصب في بغداد". إنها تتطلب عملية تنطلق من القاعدة إلى القمة، ومن الداخل إلى النسيج المجتمعي، ليشعر كل مواطن بملكيته ومشاركته في تحقيق وضع جيد ورفاهية، وفي التمتع بالحقوق والمساواة وحرية التعبير، وأن تكون له حقوق الإنسان أسوة بباقي العالم. حتى الآن، لم يصل العراق إلى مرحلة يشعر فيها كل مكون وكل فرد بأن هذا وطنه. يجب على عملية بناء الدولة أن تجعل الجميع يفخرون بهذا البلد ويدافعون عنه ويضحون من أجله. وهذه عملية يجب أن تقوم بها الحكومات والسياسيون، ومن يطبقون الدستور، ومن يقوون مؤسسات الدولة، ومن يحققون العدالة، ومن يرسخون سيادة القانون، ومن يَحدّون من الفساد، ومن يجعلون المواطن يشعر بأنه مرفوع الرأس في بلده ومستقبله مضمون. يجب ألا نخدع أنفسنا ونظن أن العراق أصبح للجميع بمجرد الأقوال والعبارات المنمقة. يجب أن نجعله للجميع، ولكن لا يختلف اثنان على أنه لم يكن للجميع في الماضي، ولن يصبح للجميع في المستقبل بالكلام فحسب، بل يجب أن نعمل من أجله بلا كلل على المستوى المؤسسي، والحكم، والقانون، وفي جميع مجالات الحرية وحقوق الإنسان.
رووداو: في هذا السياق، سؤالي الثاني هو عندما ندخل في التفاصيل، يبرز شيء يسمى الثقة. كيف يمكن إعادة بناء الثقة المفقودة بين المكونات في العراق ليصبح وطناً للجميع؟
د. دلاور علاء الدين: الثقة تُبنى عن طريق الدولة والقانون، وعن طريق تطبيق جميع الحقوق التي يستحقها الفرد. عندما تطبق الدستور بِنِيّة وإرادة صادقة، وبقرار شجاع، وتمنح الحقوق للجميع بمساواة، ويسود القانون بحيث لا يشعر أي مواطن أن الدولة تعمل ضده، حينها يتكون مناخ يثق فيه الناس بتلك السلطة. سواء كان ذلك يتعلق بحصر السلاح بيد الدولة فحسب، أو أن يثق الناس بالمحاكم والشرطة والقرارات المالية وقرارات المساواة والرفاهية. كل هذه القرارات تصدرها الدولة. عندما تشعر بتلك المساواة، تنشأ تلك الثقة. في الوقت الحاضر حيث نواجه مشاكل، جرى تسييس حياة الفرد بأكملها، بما في ذلك الخدمات والحقوق والحياة الاقتصادية للأسرة، وهذا أدى إلى تسييس جميع العلاقات بين الدولة والمواطن واتساع الفجوة بينهما. هذا ما حال دون بناء الثقة بين المواطن والسلطات. وعلى مستوى العراق، الأمر سيان. إحدى دراساتنا التي نناقشها في هذا اللقاء أيضاً، تشير إلى أن إحدى المشكلات في سنجار على سبيل المثال، والتي حالت دون عودة الناس وفقدانهم الثقة بالحكومة المحلية والموصل أو بغداد، سببها تلك الفجوة الكبيرة، التي لم يتم حتى الآن إيجاد آلية لتقليصها.
رووداو: على الرغم من الاتفاق؟
د. دلاور علاء الدين: على الرغم من الاتفاق، عندما يثق الناس بأن الحكومة في خدمتهم وتعمل على تحسين حياتهم اليومية، وتعيد إعمار بلدهم، وتبني لهم المنازل، ثم توفر لهم الخدمات والتعليم والصحة، وعندما يثق الناس بأنهم محميون ويعودون بأمان، فإن هذه الأمور تبني الثقة. عندما نشأ ذلك اليأس، اقترحنا في دراستنا آلية وقمنا باختبارها، حيث جعلنا ممثلي سنجار يجلسون مع المحافظ ويبحثون أمور الخدمات والإعمار وتحسين الحياة، بعيداً عن السياسة. أي أن فصل السياسة عن حياة الناس اليومية أمر ممكن.
رووداو: أعتقد أنكم اقترحتم أيضاً في دراستكم تشكيل هيئة مسؤولة عن قضية سنجار. توجد الآن مشكلتان في العراق قد تكونان سبباً في انعدام الثقة هذا؛ إحداهما الفساد والأخرى الجماعات المسلحة. هل سيتم في ملتقى ميري لهذا العام عرض خارطة طريق لاجتثاث الفساد أو تقليل مستواه، إلى جانب جمع السلاح ووضعه تحت سلطة الدولة؟
د. دلاور علاء الدين: بالتأكيد، هذا مهم جداً لأن حياة الناس اليومية تعتمد عليه، وبعد ذلك يعتمد عليه مصير وسيادة العراق بأسره. ما لم تتم معالجة هذين السببين، لا يمكن للعراق أن يستعيد سيادته وثقته ويصبح عضواً فاعلاً في المجتمع الدولي. لقد قمنا بتضمين مجموعة من الخبراء والمفكرين الباحثين الأجانب والمحليين في الحلقات النقاشية. هناك مجموعة من الدبلوماسيين، ولكن من داخل العراق أيضاً هناك قادة يتحدثون عن هذه المواضيع. الحلقات النقاشية القصيرة الأربع مع القادة، تتمحور حول موضوع بناء الدولة وإعادة تأسيس ركائز الدولة في جميع أنحاء العراق.
رووداو: أحياناً خلال النقاشات في ملتقى ميري، تؤخّذ تعهدات. هل تريدون في هذين اليومين أيضاً أخذ تعهدات من بعض الأشخاص مجدداً؟
د. دلاور علاء الدين: التعهد في مكان كهذا يكون ذا معنى، لأنه يصبح أرشيفاً قوياً عليهم لاحقاً. يلتقون وجهاً لوجه، ويواجههم الناس ويحاسبونهم وقت التصويت. لذلك فإن تقديم رؤية واضحة وقطع التعهدات في ملتقى كهذا أمر مهم جداً، لأنه يصبح تاريخاً يُحسب عليهم. أولئك الذين يفكرون بشكل قصير النظر ولا يعرضون أنفسهم لهذه الكلمات، تجد أنهم هم الأكثر تضرراً. لكن الناس أذكياء ويتذكرون هذه الأشياء أكثر، ويواجهونهم بها وتصبح أرشيفاً قوياً.
رووداو: ذكرت التصويت، وبما أننا في فترة الدعاية الانتخابية. هل تتوقعون أن تكون النقاشات ساخنة جداً في هذين اليومين؟ وكذلك، كيف ستسيطرون على الوضع لكي لا تحدث مزايدات سياسية في المنتدى؟
د. دلاور علاء الدين: في الحقيقة، لم نكن نرغب في أن يتزامن الملتقى مع وقت الحملات الانتخابية. فملتقياتنا تُعقد كل عام في الشهر العاشر. في الماضي، كان مسيحيو ويهود كويسنجق يَشْكون من المسلمين قائلين "لديكم عيدان في السنة ولا نعرف متى يأتي دورنا". ونحن أيضاً، خلق سياسيونا لنا نظام حكم نجري فيه انتخابين كل أربع سنوات ولا نعرف متى يحين وقتنا. لذا، عندما قرروا أن يكون في هذا التوقيت، وجدنا أنفسنا في خضم الحملات الانتخابية، ولم يكن من الممكن تقديمه أو تأخيره. لكن ما فعلناه في السابق هو محاولة منع السياسيين من استغلال الملتقى للدعاية الانتخابية. نحن نناقش الرؤى والإستراتيجيات وسياسات الحكم، ونحاول إبعادهم عن الخوض كثيراً في الدعاية الانتخابية. ولكنك عندما تتحدث مع سياسي، لا بد أن يتحدث عن جوانبه الإيجابية وينتقد خصمه، لكنك تمنح الفرصة لخصمه أيضاً لفعل الشيء نفسه. نحاول أن يكون الملتقى موضوعياً، يناقش أولويات الناس بشكل كبير، وإذا أخذنا منهم وعداً، فهناك غدٌ بعد الانتخابات والتواريخ تبقى.
رووداو: شكراً جزيلاً لك. دعنا نخرج قليلاً من إطار العراق. يقول العراق إنه حافظ على توازنه في الشرق الأوسط بين جميع الأطراف. إلى متى يمكن للعراق أن يحافظ على هذا التوازن؟ وهل حافظ على التوازن فعلاً؟
د. دلاور علاء الدين: نتائج سياساتهم تظهر أنهم حافظوا على توازن جيد. نرى الآن أن الأميركيين مرتاحون في التعامل مع هذه الحكومة وليس لديهم مشكلات كبيرة معها، بل يدعمونها. والإيرانيون كذلك، ربما ليست لديهم أي مشكلة. وقد انعكس هذا التوازن على دول الجوار الأخرى أيضاً. هذا النوع من التوازن سيستمر طالما أن الحكومات تحافظ على سيادتها بإرادتها الخاصة؛ سيادة العراق واستقلاله، أي أن يكون قرارها بيدها. كلما فعلوا شيئاً يصب في مصلحة العراق وكانت للعراق الأولوية، وكلما كانت سياسات حكام بغداد تهدف إلى خدمة العراق وشعبه في المقام الأول وبأقل تأثير خارجي، فسيتمكنون من الحفاظ على هذا التوازن. ولكن إذا ارتهن أي طرف بطرف آخر ووقع تحت تأثير أجندة خارجية، فمن المؤكد أنه لن يستطيع أن يكون متوازناً.
رووداو: حسناً. لنبتعد الآن قليلاً عن العراق ونتجه إلى جواره، كما ذكرت، سوريا الجديدة على سبيل المثال. في العام الماضي تحدثت أيضاً عن مستقبل سوريا، ولكن الآن ربما حدث تغييران كبيران وأجروا انتخابات أيضاً. كيف ترون حقوق الكورد في سوريا الجديدة؟
د. دلاور علاء الدين: في ما يتعلق بسوريا، نرى أنه من الأفضل السعي داخلياً وخارجياً للقيام بوساطة وفتح حوار بين دمشق وغرب كوردستان. يجب العمل على تقريب وجهات النظر بينهما، من القاعدة إلى القمة ومن القمة إلى القاعدة. وهذا من شأنه أن يهيئ مناخاً يمكنهم من خلاله تحديد مستقبلهم بعيداً عن السلاح، تماماً كما فعلنا نحن في العراق. في منتدى ميري، قمنا بدعوة جميع الأطراف؛ شخصيات مقربة جداً من السلطة من غرب كوردستان ومن دمشق أيضاً، بهدف توضيح الرؤى بعضهم لبعض وتحقيق التفاهم المتبادل وبناء الثقة بينهم. بالطبع، القوى الخارجية المؤثرة التي لها نفوذ داخل سوريا وجعلتها شبيهة بالعراق في السابق، يجب عليها أيضاً أن تكون متعاونة لتحقيق الاستقرار. وفي هذا الإطار، نسعى نحن أيضاً لخلق الحوار والقيام بالوساطة. يجب أن يتمكنوا من الاتفاق معاً بعيداً عن أعين الكاميرات على ما هو الأفضل لسوريا. تعاني سوريا داخلياً من مشكلة التشتت، وفي الخارج تتصارع القوى الإقليمية والدولية. هذه القوى لم تمهد الأرضية ولم تسمح للشعب السوري بالتفكير بطريقة سورية بحتة وحل مشكلاته. ولكن هناك أيضاً مناخ إيجابي، حيث أظهر الجميع حتى الآن صموداً في سبيل خفض وتيرة الاشتباكات والتوجه نحو حل المشكلات بالطرق السياسية. وهنا، نعتبر نحن - إقليم كوردستان- وبقية العراق جيراناً مهمين جداً بالنسبة إليهم، ولنا تأثير كبير في ما إذا كنا سنهيئ لهم مناخاً أفضل ونشجعهم على السيادة والنجاح، أم نصبح جزءاً من المشكلة ونقف على الحياد. لذلك، تقع على عاتقنا اليوم مهمة سياسية وأخلاقية وقومية، وهي أن نعمل على تحقيق اتفاق بين ذلك الجزء المحرر من غرب سوريا ودمشق، ليصلوا إلى مستوى يتحقق فيه ترسيخ حقوقهم بشكل دائم في دستور دائم.
رووداو: حسناً. لننتقل خطوة أخرى، في ما يتعلق بتركيا، حيث استؤنفت الآن عملية السلام. وقد ظهرت المتابعات منذ العام الماضي، والآن هناك تحركات على المستوى البرلماني، وجرت مناقشات وجرى إقرار الحزمة. سؤالي هو، ما هي خارطة الطريق التي يعتزم معهد ميري رسمها هذا العام لنجاح عملية السلام هذه؟
د. دلاور علاء الدين: ما يهمنا أولاً هو أن نعرف إلى أي مستوى وصلت العملية؟ لماذا توقفت؟ وما هي العقبات التي تواجهها، سواء من الجانب التركي أو من الجانب الكوردي. هذه الأمور ليست سهلة ولا يمكن تجاوزها بسهولة إذا لم يكن هناك حوار وتشجيع مستمران. ونحن أيضاً - إقليم كوردستان- لدينا دور ومكانة في هذا الموضوع، لأن عملية السلام في تركيا لها تأثير مباشر جداً فينا؛ في حياتنا، واقتصادنا، وفي جانبنا الأمني. في الوقت نفسه، يمكننا مساعدتهم في تمهيد الطريق، وأن نكون محفزين ومسهلين لدفع العملية نحو مسار جيد وناجح. فإذا لم تكن لدينا رؤية واضحة من الجانب التركي، فلن نتمكن نحن أيضاً من معرفة كيفية تقديم المساعدة. في الوقت ذاته، ما يجري في تركيا، بالإضافة إلينا، له دور كبير في غرب كوردستان (روج آفا). يمكن أن تتحول إلى عملية سلام وازدهار ومستقبل أفضل للمنطقة بأسرها، وهذا مرتبط بما يحدث في تركيا. إذا تذكرت، عندما كانت عملية السلام جارية بين عامي 2012 و 2015، شهدت المنطقة بأكملها استقراراً. وعندما انتهت تلك العملية، دخلت المنطقة بأكملها في حروب وصراعات. اليوم، مع تهيئة وضع أفضل ووجود أمل في انطلاق عملية سلام جديدة، تغيرت نفسية الناس والأجواء السياسية بالكامل. لذلك، يجب علينا جميعاً أن نكون مشجعين. ولهذا الغرض، سيأتي الرئيس المشارك لحزب "دام" [حزب المساواة وديمقرطية الشعوب] من تركيا وسيكون له حديث وسيعطينا رؤية واضحة حول آخر التطورات في أنقرة وإلى أين تتجه عملية السلام، حتى نسمع منه مباشرة.
رووداو: في الجلسة الخاصة بإيران، تتحدثون عن تغيير النموذج من الأمني إلى الاقتصادي. في حين أن الجماعات المسلحة لا تزال موجودة بالقرب من إيران، ألن يكون هذا التغيير صعباً؟ ما هي خارطة طريقكم لإيران؟
د. دلاور علاء الدين: إن الانتقال من الوضع العسكري الحالي في المنطقة إلى وضع جديد من الازدهار والاقتصاد، يصبح فيه الاقتصاد أولوية، هو أمر حتمي ويجب أن يحدث. وما لم يحدث ذلك، فسنظل نعيش في مآسٍ وحروب وصراعات. إيران نفسها، إذا نظرت إلى سياستها العامة على مدى الأربعين عاماً الماضية، كان همها الأكبر هو الخطر على النظام وبقائه وتوسيع نفوذه. وقد كان ذلك على حساب اقتصادها في الداخل والخارج. وفي الوقت نفسه، واجهنا نحن في العراق ولبنان وسوريا وأماكن أخرى الظاهرة نفسها. ولكن من المحتم في النهاية، لكي تنعم تلك الشعوب بالاستقرار وتشهد المنطقة الازدهار والخير، يجب أن نتجه نحو ذلك الوضع الطبيعي الذي نتخلى فيه عن القضايا الأمنية والأولويات الأمنية والسياسية والعسكرية، ونتجه نحو الاقتصاد. وهذه النتيجة لن تتحقق من تلقاء نفسها إذا لم يكن هناك حوار ونقاش وحديث صريح. دولة مثل إيران والقوى والأطراف التي تعمل بالوكالة لصالحها، لن تخضع أو تتخلى عن مواقعها دون طمأنة واحتواء وموافقة على مرحلة انتقالية. لذلك، يجب أن نأخذ في الاعتبار ضرورة خلق أجواء يسودها الحوار، حتى لا تشعر إيران بالخطر على نفسها عند تغيير سياستها. وكذلك تركيا ودول الجوار، ومن ثم بغداد وأربيل.



