رووداو ديجيتال
في ظل المشهد المعقد الذي تعيشه مناطق دير الزور بين تحديات معيشية وأمنية وتقلبات سياسية ترتبط بمصير المنطقة ككل، يبقى صوت العشائر أحد المكونات الأساسية لفهم الواقع وصياغة المستقبل.
وأكد عمار الحداوي، أحد أبرز شيوخ قبيلة العكيدات في دير الزور، في مقابلة مع شبكة رووداو الإعلامية أن "هناك قناعة شبه مطلقة بأن اللامركزية الإدارية، ولو في حدها الأدنى، هي الأنسب لدير الزور".
وأضاف: "لا نريد دولة تُعاد على غرار النظام البائد، فهذا ما لا نقبله ولا نستسيغه أبداً"، معتبراً أن "الأصل أن الحكومة التي تكون في دمشق، أو تُشكَّل من خلال توافقات معينة، يجب أن تراعي مصالح مواطنيها على اختلاف انتماءاتهم العرقية والإثنية".
رداً على سؤال حول ما إذا كانوا يفضلون البقاء ضمن مشروع الإدارة الذاتية أم تحت سيطرة الحكومة السورية، قال الحداوي: "نحن في هذه المناطق نلتقي ونجتمع مع السلطة السياسية، ولم يُطرح موضوع الانفصال ولا حتى الفيدرالية. بالعكس، نحن جزء أصيل من سوريا، ونحرص كل الحرص على وحدة التراب السوري".
وتابع: "لا أظن أن الإدارة الذاتية لديها مشروع انفصالي، ولأكون واضحاً، فإن الأسطوانة التي يروّج لها البعض حول أن الإدارة الذاتية أو قوات سوريا الديمقراطية تملك مشروعاً انفصالياً هي مجرد وهم وغير صحيحة".
أدناه نص المقابلة:
رووداو: كيف تصف اليوم الواقع المعيشي والأمني في مناطقكم، وخاصةً مناطق الشحيل وريف دير الزور الشرقي؟
عمار الحداوي: لا شك أن سوريا، بعمومها، خرجت من حالة صراع طويلة استمرت لأكثر من خمسة عشر عاماً، أفرزت أوضاعاً معيشيةً صعبةً في مختلف مناطق الجغرافيا السورية. ودير الزور جزء أصيل من هذه الجغرافيا، فالمعاناة التي يعيشها المواطن السوري في عموم البلاد تنعكس أيضاً على واقع العشائر ودير الزور، رغم أن المنطقة الشرقية في سوريا غنية بالثروات النفطية والمائية والحيوانية، فضلاً عن الطاقات البشرية.
الحقيقة أن المواطن الذي يقطن في المناطق الشرقية من سوريا، وأقصد بذلك المحافظات الثلاث: دير الزور والرقة والحسكة، يعيش مظلوميةً ممتدة تعود إلى ما قبل أحداث الثورة عام 2011، بل ربما إلى أكثر من ستين عاماً، إذ هُمّشت هذه المناطق وكانت تُعدّ ولا تزال مناطق نائية وهامشية، ويُنظر إليها نظرةً دونية مع الأسف، رغم غناها بالثروات الباطنية والمائية وغيرها. ولا يزال المواطن اليوم يعيش هذه المعاناة، لكنه في المقابل يحمل أملاً كبيراً وتفاؤلاً بأن الأوضاع ستتحسن في قادم الأيام.
رووداو: هل الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والصحة والتعليم تلبي الحد الأدنى من احتياجات السكان؟
عمار الحداوي: كما أسلفت، فإن الأحداث التي مرت بها سوريا كان لها انعكاس واضح على هذه القطاعات التي ذكرتموها، وهناك بالفعل نقص حاد في الخدمات. لكن أبشّر المشاهدين والمتابعين بأن اجتماعات مكثفة تُعقد حالياً وُضعت خلالها منهجية جديدة لإعادة تأهيل هذه القطاعات الخدمية الأساسية في حياة المواطن، وأظن أنه خلال الأيام القريبة المقبلة سيُلاحظ تحسن ملموس في هذه المجالات.
رووداو: اجتماعات بين من ومن؟
عمار الحداوي: الاجتماعات تجري بين المواطنين والإدارة الذاتية، وكذلك مع المجالس التنفيذية التابعة لها.
رووداو: هناك أيضاً محاولات دولية للوصول إلى تفاهم نهائي بين الإدارة الذاتية والحكومة السورية. ما المعلومات المتوفرة لديكم حول مصير دير الزور؟
عمار الحداوي: دير الزور، كما أسلفت، هي محافظة هُمّشت طويلاً، ومن خلال متابعتنا الآن لسياسات الحكومة الانتقالية في دمشق، نرى أن التهميش لا يزال مستمراً تجاه هذه المناطق، وهذا أمر لا يَروق لنا نحن كأبناءٍ ورجال قبائل. نحن نطمح لأن تكون ديارنا موازية لبقية المدن السورية من حيث النهضة والعمران والازدهار.
ومن خلال هذه المنهجية المتبعة، والسردية التي مضى عليها ما يقارب العام، نستنتج أن اللامركزية الإدارية ربما هي الخيار الأنسب لتحقيق مصلحة دير الزور على وجه الخصوص، وانتشالها من حالة التهميش والفقر والإقصاء التي عانت منها طويلاً.
لقد وصلنا اليوم إلى قناعة شبه مطلقة بأن اللامركزية الإدارية، ولو في حدها الأدنى، هي الأنسب لدير الزور، بحيث يكون لها نصيب واضح من ثرواتها، وهذا مطلب مشروع وحق أصيل.
أعطيكم مثالاً بسيطاً: دير الزور غنية بالنفط وتضم العديد من الآبار والحقول الكبيرة، ولكن تخيلوا أن الحقول في دير الزور بينما تقع مصفاة النفط في بانياس بطرطوس. لماذا لا تكون المصفاة في دير الزور مثلاً؟ هناك إشكاليات كبيرة جداً تحتاج إلى معالجة وإعادة تقييم حقيقية.
رووداو: وهل الحكومة السورية توافق على ذلك؟ أي على منحكم لامركزية إدارية في دير الزور؟
عمار الحداوي: من حيث المبدأ، وبعد كل هذه التضحيات الجسيمة والعظيمة التي قدّمها الشعب السوري، وأنا لست بصدد ذكر الأرقام، سواء أعداد النازحين أو الشهداء أو الجرحى أو المهجّرين أو حجم الخسائر، إلا أنها كانت ثورة عظيمة كان يتوق من خلالها المواطن السوري إلى أن يكون حراً، طليقاً، مواطناً متساوياً، يعيش في وطنٍ يقف على مسافة واحدة من الجميع، ويتمتع بحرية الرأي في شكل الدولة المقبلة.
نحن لا نريد دولة تُعاد على غرار النظام البائد، فهذا ما لا نقبله ولا نستسيغه أبداً. والأصل أن الحكومة التي تكون في دمشق، أو تُشكَّل من خلال توافقات معينة، يجب أن تراعي مصالح مواطنيها على اختلاف انتماءاتهم العرقية والإثنية.
ونحن كأبناء دير الزور نرى أن مصلحتنا تكمن في اللامركزية الإدارية مع بقاء التبعية الواضحة للمركز فيما يخص بعض الحقائب السيادية. أتحدث هنا من الناحية الإدارية البحتة، لأن هذا النظام هو الكفيل بتحقيق مطالب ومصالح المواطنين في هذه المناطق.
رووداو: حسب معلوماتكم شيخ عمار، هل جرى الحديث حول مصير دير الزور في الاجتماعات الأخيرة في دمشق بين وفد الإدارة الذاتية ووفد الحكومة السورية؟
عمار الحداوي: في الحقيقة، لم تصلنا أخبار مباشرة من المصدر نفسه، لكن من خلال التسريبات التي ظهرت من هنا وهناك، يبدو أن دير الزور تُقسَّم حالياً إلى قسمين: قسم على الضفة اليمنى لنهر الفرات، والقسم الآخر على الضفة اليسرى. وربما، في حال حدوث تقارب وتنفيذ اتفاق 8 آذار الذي تم في دمشق بين الجنرال مظلوم عبدي والسيد أحمد الشرع، تكون آلية الدمج الأولى في المؤسسات المدنية قد تبدأ من دير الزور تحديداً. وأتوقع أن المرحلة الأولى ستتضمن تشكيل لجان من أبناء دير الزور ومن ممثلي الإدارة الذاتية للتفاوض مع دمشق، بهدف وضع منهجية واضحة لهذا التقارب.
رووداو: وهل أنتم، كسكان ريف دير الزور الشرقي، ترون فكرة الاندماج فكرة جيدة لكم؟ هل تفضلون البقاء ضمن مشروع الإدارة الذاتية أم تحت سيطرة الحكومة السورية؟
عمار الحداوي: أنا لا أظن أن الإدارة الذاتية لديها مشروع انفصالي، ولأكون واضحاً، فإن الأسطوانة التي يروّج لها البعض حول أن الإدارة الذاتية أو قوات سوريا الديمقراطية تملك مشروعاً انفصالياً هي مجرد وهم وغير صحيحة. نحن في هذه المناطق نلتقي ونجتمع مع السلطة السياسية، ولم يُطرح موضوع الانفصال ولا حتى الفيدرالية. بالعكس، نحن جزء أصيل من سوريا، ونحرص كل الحرص على وحدة التراب السوري، وعلى أن تكون سوريا وطناً يقف على مسافة واحدة من جميع مواطنيه.
فالمسألة ليست أن نصطف هنا أو هناك، فنحن في دير الزور جزء أصيل من البلاد. لكن إذا استمرت المنهجية أو السلوكيات الإقصائية والتخبط السياسي الذي مورس في بعض المناطق مثل الجنوب أو الساحل، وامتد هذا السلوك إلى شرق الفرات، فإن الدعوات إلى التقسيم أو الفيدرالية ستكون نتيجةً لسياسة المركز لا الأطراف.
رووداو: هل أنتم مع انسحاب قوات سوريا الديمقراطية من دير الزور؟
عمار الحداوي: هذا سؤال افتراضي في الحقيقة. أعتقد أنه في حال استيقظنا صباحاً ولم نجد سلطة حاكمة، فإن ذلك سيترك فراغاً أمنياً كبيراً جداً، ولن يكون في مصلحة المنطقة أبداً.
النقطة الثانية، وحتى نكون واضحين، فإن مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية ليسوا جميعاً من عرقٍ واحد، بل هم خليط من مختلف مكونات المنطقة: عرباً وكورداً وآشوريين وسرياناً، وهناك حالة من التجانس والانسجام بينهم. لذا، فـ"قسد" ليست تابعة لعرق أو طائفة أو إثنية محددة. وانسحابها المفاجئ، بشكلٍ افتراضي كهذا، سيخلق حالة فراغ وربما فوضى عارمة قد تؤدي إلى دمارٍ في المنطقة، وهذا أمر لا يرضى به أي عاقل.
رووداو: هل تطالبون بضمانات دولية في حال حدث اندماج بين قوات سوريا الديمقراطية والقوات الحكومية، خصوصاً فيما يتعلق بمناطق دير الزور؟
عمار الحداوي: نتمنى أن يكون الحوار سورياً–سورياً، وأعتقد أنه لو جرى الحوار بين السوريين دون تدخلات إقليمية من بعض الدول المجاورة التي تؤثر مع الأسف في قرار المركز، لكنا توصلنا إلى حلولٍ أسرع.
أما عن الضمانات، فأرى أنها ليست بالضرورة أن تكون ضمانات دولية إذا كنا فعلاً نتحاور كسوريين، إذ يمكن أن يضمن الدستور السوري الجديد ذلك. وأنا أتحدث هنا عن دستورٍ جديد يراعي جميع الجوانب، وليس عن الإعلان الدستوري السابق الضيق الذي لم يُرضِ كل الأطراف. فوجود حالةٍ دستوريةٍ جديدة تضمن حقوق كل المكونات والجغرافيا السورية، سيجعل الجميع يشعر بالطمأنينة والارتياح.
رووداو: الشيخ عمار، دعني أسألك عن نشاط تنظيم داعش أيضاً. هل هناك تصاعد في نشاط خلايا التنظيم في مناطقكم تحديداً؟ وكيف ينعكس ذلك على حياة المدنيين؟
عمار الحداوي: بالفعل، هذا المشروع مرّ بهذه المنطقة، وربما استمر لعامين أو ثلاثة أعوام، ثم تعرض كما تعلمون لحملات من التحالف الدولي ومن قوات سوريا الديمقراطية. لكن الآن هناك نشاط حقيقي للتنظيم، ومحاولات لاستعادة بعض الهياكل السابقة. يحاول أن يتمدد ويكون حاضراً في أوسع جغرافيا ممكنة.
رووداو: كيف تفسرون عودة بعض العمليات النوعية لداعش مؤخراً؟ هل هناك تقصير أمني أم اختراقات محلية؟
عمار الحداوي: حتى نكون أكثر دقة، الساحة السورية غير منضبطة بالكامل، وهناك حالة فوضى تجعل المناخ ملائماً لتصاعد أي تيار فكري متطرف. والوضع الأمني بالتأكيد ليس ممسوكاً بقبضة حازمة، نتيجة ظروف متعددة كما أسلفنا. فما يحدث هو حالة مزدوجة: بعض التنظيمات تحاول استعادة نشاطها مستغلةً الخلافات السياسية والهشاشة الأمنية في سوريا عموماً.
رووداو: في أي مناطق تحديداً في دير الزور هناك نشاط ملحوظ لخلايا داعش؟
عمار الحداوي: لا أستطيع أن أحدد بدقة، فليس لديّ معلومات أمنية مؤكدة بهذا الخصوص.
رووداو: هل لديكم مبادرات عشائرية لمكافحة التطرف والتجنيد ضمن المجتمع المحلي؟
عمار الحداوي: في الحقيقة، هناك جهود تُبذل، لكنها محدودة وتُدار بحذر شديد لأسباب أمنية وغيرها، فالمسألة ليست بالسهولة أو الأريحية المطلوبة. أغلب الأشخاص يراعون ظروفهم الأمنية، وهذا أمر طبيعي جداً في ظل الوضع القائم.
لكن، يمكن القول إن هناك وعياً متزايداً، غير أن الواقع يظل صعباً، فخلال السنوات الأربع عشرة الماضية التي مرت بها سوريا، ولا سيما في المنطقة الشرقية، نشأت أجيال لا تمتلك سوى القليل من العلم والوعي والإدراك، ما جعلها فريسة سهلة للأفكار المتطرفة. وهذه إشكالية عميقة تحتاج إلى معالجة طويلة الأمد، وإلى مراكز متخصصة تعنى بعلاج هذه السلبيات.
رووداو: تحدثتَ في حديثك عن ملف النفط. دير الزور محافظة غنية بالثروات الباطنية، ومنها النفط والغاز. من يدير حقول النفط حالياً؟
عمار الحداوي: حالياً، إدارة النفط تتبع مؤسسة خاصة ضمن الإدارة الذاتية، وأتحدث هنا عن شرق الفرات تحديداً. فالإدارة تتم عبر هيئة للنفط تضم كفاءات وكوادر ومهندسين، لكنها تعمل بإمكانيات محدودة وبأسلوب بدائي نسبياً، وليست على مستوى احترافي كامل كما يُقال.
ومع ذلك، فهي تغطي حاجة المنطقة إلى حدٍّ ما، كما يجري توزيع جزء من عائدات هذه الثروات على المواطنين، رغم أن الكميات المتوفرة لا تكفي. باختصار، النفط يُدار حالياً من قبل الإدارة الذاتية.
رووداو: هل لديك كلمة توجهها لأهالي دير الزور في هذه المرحلة المفصلية، ولإخوتكم الكورد أيضاً؟
عمار الحداوي: الكورد إخوتنا، وهذه ليست مسألة جديدة. بيننا وبينهم تعايش تاريخي يعود إلى آلاف السنين. نحن والكورد عشنا جنباً إلى جنب منذ الحضارة الميدية وما بعدها، وفي العصر الإسلامي دخل الكورد في النسيج المجتمعي منذ عهد الخليفة عمر بن الخطاب في القرن الهجري الأول، واستمر التعايش والانسجام والتكافل الاجتماعي بيننا على مرّ العصور. كان الكورد دائماً حريصين على أن يكونوا جزءاً أصيلاً من هذا المجتمع المتجانس، ونحن كذلك نحرص عليهم بالقدر نفسه.
ما تعرضت له هذه الروابط من صدماتٍ في الآونة الأخيرة بسبب بعض البروباغندا الحاقدة ترك آثاراً سلبية، ونحن الآن نسعى لمعالجتها. فنحن، عرباً وكورداً وسرياناً وآشوريين وبقية المكونات، في أمسّ الحاجة إلى بعضنا بعضاً. ويجب، من منطلقٍ أخلاقي وتاريخي ووطني، أن نتكاتف ونتكافل حتى نصل إلى الحرية والعدالة والديمقراطية التي نطمح إليها جميعاً. وهذا لن يتحقق إلا من خلال الانسجام المجتمعي والصلح الحقيقي والسلم الأهلي الشامل، فنحن كما الكورد بحاجة ماسة إليهم، هم أيضاً بأمسّ الحاجة إلينا.

