رووداو ديجيتال
يؤكد الباحث الاكاديمي في الشأن
السياسي العراقي، منتصر الحسناوي أن "العراق دولة بتاريخها، وجغرافيتها،
ودستورها، وإيمان شعبها بها، لكنه مايزال يعاني من ضعف تحويل هذا الوجود التاريخي
إلى دولة مؤسسات تتطابق مع أهمية هذا التاريخ وثقل هذه الجغرافية"، معتبراً أن
"التعدد القومي والديني والمذهبي في المجتمع العراقي يمثل مصدر غنى وقوة إذا
ما أُدير بطريقة سليمة ورشيدة، ولاسيما أن هناك مشتركات كبيرة وحقيقية تجمع العراقيين
أكثر مما تفرقهم"، منوها الى ان "المشكلة ليست في التنوع، إنما في طريقة
إدارة هذا التنوع وتحويله إلى عنصر استقرار وبناء واستثمار وطني حقيقي".
الحسناوي قال لشبكة رووداو
الاعلامية، اليوم الثلاثاء (26 ايار 2026) في حديث عن واقع ومستقبل العراق في ظل
الحكومة الجديدة برئاسة علي الزيدي، أن "التأييد الذي حصل عليه علي الزيدي
باعتباره مرشحاً للتسوية السياسية يُعد حالة مهمة، ولاسيما في ظرف إقليمي ودولي
حساس واستثنائي تمر به المنطقة. هذا التوافق قد يمثل فرصة حقيقية للنجاح إذا ما
توفرت نوايا حقيقية لدعمه والتعاون معه للوصول إلى حالة استقرار سياسي وإداري
تساعد على بناء الدولة".
وأضاف أن "السياسة العراقية
بطبيعتها معقدة، لكن وجود مساحة من التفاهم الوطني يمنح أي رئيس وزراء فرصة أكبر
للتحرك وتحقيق نتائج ملموسة، منبها في ذات الوقت الى ان "الزيدي سيواجه
معوقات داخلية وخارجية معقدة. داخلياً هناك توازنات القوى السياسية، وضعف الثقة
بين بعض المكونات، والخلافات بين المركز والإقليم، إضافة إلى ملفات السلاح خارج
إطار الدولة، والفساد الإداري، والاقتصاد الريعي، وضغط الشارع الباحث عن حلول
سريعة للخدمات وفرص العمل. أما خارجياً، فالعراق يتحرك داخل بيئة إقليمية ودولية
شديدة الحساسية، مع وجود صراعات وتقاطعات مصالح كبيرة تحيط وتؤثر به. المرحلة ليست
سهلة، لكنها ليست مستحيلة أيضاً إذا ما توفرت رؤية موحدة وإرادة حقيقية للعمل
المشترك".
منتصر الحسناوي، مؤلف كتابي "ثقافة
الإلغاء" عام 2025، و"هواجس الهوية" 2026، والتي يناقش فيهما
الاوضاع السياسية والاجتماعية للشأن العراقي من وجهة نظر تحليلية اكاديمية، أوضح
ان "ثقافة الإلغاء، اصبحت جزءاً من الحياة السياسية العراقية، ولاسيما مع
التأثير الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي التي باتت جزءاً يومياً من حياة الفرد
العراقي بصورة قد تكون أكبر من كثير من الدول الأخرى. هذا الواقع ساهم في تصاعد
الرغبة بإسقاط الآخر أو عزله أو التشكيك بوطنيته، سواء من بعض الساسة أو من
الفاعلين والمؤثرين في الفضاء الإعلامي والاجتماعي".
ولفت الى ان "هناك شخصيات
سياسية كثيرة تتعرض لهذا النوع من الإلغاء بشكل يومي ومتكرر خلال السنوات الماضية،
ولعل من أبرز من تعرض لذلك رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، إذ شهدنا
حملات واسعة ضده في مختلف الملفات، بغض النظر عن تقييم التجربة نفسها بموضوعية".
وفيما اذا كانت المشاكل السياسية
سببها عدم التزام الاطراف الحاكمة بالدستور؟ اجاب: "الدستور يمثل الإطار
التنظيمي الأعلى للدولة، والمشكلة لا تكمن في النصوص بحد ذاتها، إنما أحياناً في
الانتقائية بتطبيقها أو استحضارها عند المصلحة وتجاهلها عند الخلاف. مع ذلك، أعتقد
أن الصفة العامة للنظام السياسي العراقي ما تزال تستند إلى الدستور، وهو يمثل خيمة
جامعة للعراقيين جميعاً. المشكلة الأساسية تكمن في تطبيق القوانين وتنفيذها بصورة
عادلة ومنتظمة، لأن انتظام الدولة واستقرارها يرتبط بوجود قانون يُحترم ويُطبق على
الجميع".
ودعا الباحث في الشأن السياسي
العراقي، الاكاديمي منتصر الحسناوي، الى الاستفادة من تجارب متطورة "داخلياً
تجربة إقليم كوردستان فيها جوانب نجاح مهمة تستحق الدراسة، لكنها ليست النموذج
النهائي للنجاح الذي ينبغي التوقف عنده. الإقليم جزء من الدولة العراقية وليس دولة
مستقلة، وفي تجربته إيجابيات كما توجد أيضاً تحديات وسلبيات وملفات عالقة ما تزال
تؤثر على طبيعة العلاقة مع المركز وعلى بنية الدولة نفسها"، وخارجياً، وحسب
اعتقاده: "بنبغي على العراق أن ينظر إلى تجارب الدول التي استطاعت تحقيق نهضة
شاملة وتحولات كبرى، لا أن يكتفي بالمقارنة الداخلية فقط. من الضروري أن نقارن
أنفسنا بتجارب مثل ماليزيا وكوريا الجنوبية، فهذه الدول مرت بمراحل كانت أكثر
صعوبة وتعقيداً مما يمر به العراق اليوم. ورغم كل السلبيات التي يجري الحديث عنها
في الإعلام، فإن العراق شهد خلال السنوات الأخيرة مساحة من الأمن والاستقرار،
وهناك تطور في بعض الجوانب الزراعية والصناعية والخدمية ينبغي الإشارة إليها
بإنصاف".
وذكر أن "هذا لا يعني أن
الواقع يحقق مستوى الطموح المطلوب، فطموح العراقيين أكبر من ذلك بكثير. وهنا يتوجب علينا أن ننظر إلى تجارب الدول الناجحة كنماذج للتعلم
والانطلاق، وأن نبدأ من حيث انتهى الآخرون، لا من نقطة البداية نفسها".
