يبدو هذا السؤال - العنوان جافا ومباشرا، لدرجة أنه قد لا يقتحم إحدى قاعات مؤتمر المناخ العالمي المنعقد في باريس (CC21)، لكنه يظل سؤالا مفتاحيا، بل في غاية الأهمية والجدية.
قبل عدة سنوات كنت أبحث عن إحصائيات ومؤشرات دالة على عمليات التحضر والتمدين على الصعيد العالمي، وخاصة الانتقال والهجرة من الأرياف الى المدن، اكتشفت بعض الأرقام المرعبة التي جعلتني عدم تثبيتها، أو الاعتماد عليها، فعلى سبيل المثال قرأت أنه خلال عقدين من الزمن هجرت وأخليت (100000) مئة ألف قرية في الصين! واستقر سكانها في المدن. لكنني مؤخرا قرأت في نفس السياق، أن (250) مئتي وخمسون مليون صينيا قد اقتلعوا من جذورهم الريفية ونزحوا من منازلهم التي تحيط بها الحقول والمزارع، بهدف الاستقرار في المدن المستحدثة وتلك القائمة، كما تم نقل حوالي ثلاثة ملايين عائلة من الفلاحين في المناطق الجبلية الداخلية الصينية إلى المدن المشيدة في الأراضي المنخفضة. كلفت عمليات اعادة التوطين هذه خلال عشر سنوات حوالي (200) مائتي بليون دولار.
حدث ذلك ضمن سياسات حكومية تهدف إلى التحديث الاقتصادي والتغيير الاجتماعي، وصولا الى إعادة صياغة وتشكيل السمات المستقبلية للأمة الصينية.
على الرغم من التراجع النسبي لوتيرة عمليات التوطين وإحلال السكان في المناطق الجديدة، تشير الاحصائيات أن (21) مليون صيني يهاجرون قراهم للسكن في المدن سنويا، لذلك تبدو الحياة الريفية في المجتمع الصيني تتجه نحو الانكماش والاضمحلال الحقيقي، خاصة إذا علمنا أن لدى السلطات الاشتراكية الصينية الحالية خططا طموحة لاعادة تحديث حياة (700) سبعمئة مليون صيني! عبر مشروع طموح جدا، يتبناه بحماس رئيس الوزراء. تعد عملية التحديث والتمدين الصينية هذه أكبر مغامرة في تاريخ البشرية، لتحويل المجتمعات التقليدية قسريا من نمط الحياة الريفية الزراعية التقليدية نحو التمدن السريع والتصنيع، وذلك بهدف تشكيل أكبر قاعدة استهلاكية رأسمالية متسارعة ومشوهة في العالم.
اذن الارقام المخيفة الدالة على الهجرة الجماعية الداخلية في الصين كانت صحيحية، وأن النسيج العام للريف التقليدي الصيني يدمر ويضمحل تدريجيا في سياق عملية تحضير وتحديث ممنهجة، وعلى اعتبار أن الصين هو المتهم الرئيس اليوم أمام مؤتمر المناخ العالمي، كونه المنتج الأول لغاز الكربون، والملوث الرئيس للبيئة العالمية، وعلى اعتبار أن سياساتها العمرانية التحديثية الطموحة قد ساهمت في زيادة تصنيع مواد البناء الحديثة وتضخم المدن، وبالتالي تفاقم مشكلة التلوث البيئي واعادة إنتاجها ومضاعفتها، بسبب سياستها الاسكانية والعمرانية، خصوصا في شقها الرئيس، المتمثل بتنظيم وتشجيع الهجرة من الريف الى المدينة، فإننا أمام تلمس حقيقة مسؤولية السياسات العمرانية في الخراب البيئي.
فمنذ خمسين سنة وتتواصل الأخبار وتسجل بالأرقام عمليات الهجرة من الأرياف إلى المدن واندثار القرى، ولم تقتصر الهجرة على مجتمعات البلدان النامية، بل شملت حتى مناطق في أوربا وأمريكا. ربما آخر هذه الأخبار ذات الدلالة العلمية، ما أوردته رويتر في اليوم الول من ديسمبر (2015)، والمتضمن عرض بلدة أمريكية للبيع بمبلغ زهيد:" طرحت ولاية ساوث داكوتا بلدة بأكملها خالية من السكان وبها بركة ماء للبيع بمبلغ 250 ألف دولار. وقالت وكيلة العقارات ستيسي مونتغمري، إن بلدة سويت التي تبلغ مساحتها نحو ستة أفدنة تتضمن حانة ومنزلا مؤلفا من ثلاثة غرف ومحل إطارات، وتقع على بعد نحو 160 كيلومترا جنوب شرقي رابيد سيتي في ولاية ساوث داكوتا ..." كانت هذه القرية – البلدة عامرة منذ أربعينات القرن الماضي، إذ بلغ عدد سكانها (40) شخصا خلال تلك الفترة، وكانت تضم مكتبا للبريد ومتجرا لبيع الأطعمة والخضروات.
وعلى اعتبار أن امريكا هي أيضا المتهم الثاني في تلويث البيئة وتخريب المناخ، نجد أن بين الدولتين وأكبر اقتصادين في العالم عدة سمات مشتركة أولها الاعتماد على التصنيع في التنمية الاقتصادية، وثانيا التشجيع على السكن في المدن المليونية العملاقة، أما السمة الأخيرة وهي مترابطة مع سياسات الاسكان والعمران، فتتمحور حول الهجرة من الريف وإهمال تنمية القرى. في المحصلة نجد أن أغلب دول العالم تعمل على تحطيم الاقتصاد التقليدي الريفي غير الملوث للبيئة، وتطوي صفحة نمط الانتاج الزراعي الريفي، وخاصة في أكبر دولتين سكانا في العالم، أي الصين والهند.
صحيح أن الهند لاتخطط للقيام بمشاريع تمدن عملاقة كما في الصين، لكنها تسعى أيضا إلى تطبيق سياسات التصنيع السريعة، وتخطط لكهربة الريف الهندي، عبر أكبر مشروع للطاقة في العالم، يهدف إلى توفير الكهرباء لأكثر من (300) ثلاثمئة مليون هندي يسكنون الريف ويفتقرون إلى الكهرباء تماما. ومن المتوقع لهكذا مشروع وخاصة إذا اعتمد على الفحم أو الفيول، أن يزيد من انبعاث الغازات المخربة للبيئة، ويفاقم من درجة مساهمة الهند في التلوث البيئي والتدهور المناخي، إذ أنها كدولة تظل المتهم الثالث في التسبب بالتغيير البيئي - المناخي.
من الواضح أن سياسات حماية البيئة وتنظيم توازن الكربون والاوكسجين داخل الغلاف الجوي المحيط بالكرة الأرضية لن يحقق النجاح، ما لم يتم الانتباه إلى سياسات العمران على الصعيد العالمي، ولا أدري إلى أي درجة سيتنبه آلاف الخبراء المشاركين في مؤتمر المناخ العالمي المنعقد في باريس إلى هذا الجانب، وهل سيتم مناقشة ضرورة تأمين التوازن العمراني بين الريف والمدن، ولجم تضخم المدن العملاقة (ميكا بول) المنتج الرئيس لغاز الكربون.
أخيرا يمكن الإفتراض أن الاعتماد على العمران الريفي بمساكنها البسيطة وحياتها الاقتصادية التقليدية هي أحد أبرز المخارج من الأزمة البيئة المستفحلة. فلم يعد كافيا الحديث فقط عن الطاقة النظيفة، بل ينبغي التوجه إلى العمارة الخضراء والعمران الأخضر، والتي تعتمد أساسا على وقف الهجرة من الريف إلى المدينة، ووضع حد لخراب القرى والبلدات الصغيرة، والتريث في مشاريع التحديث العمراني والتقني العملاقة، هذه المشاريع التي تستجر معها إنتاجا هائلا للكربون، فان الدول الثلاث: الصين، أمريكا، الهند تظل المصدر الأول للخراب الايكولوجي، وذلك بسبب سياساتها التحديثية العملاقة، واستخفافها بنمط الحياة الريفية، وبالتالي استهتارها بجمالية وثمرات التوازن العمراني – البيئي على الكرة الأرضية.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الاعلامية

.jpg&w=3840&q=75)
.jpg&w=3840&q=75)
